الجزء الثالث
الحصن
الفصل الثالث عشر
الطبيب يكمل سرد أحداث القصة
كيف هُجرت السفينة
عندما اتجه القاربان نحو الشاطئ في وقت ما بعد الظهيرة، جلست أنا (الطبيب)، والكابتن، وتريلوني نناقش كيف سنراقب المتمردين الستة الذين مكثوا على متن السفينة الذين كانوا يجلسون محاولين التواري. ونزل هانتر ليخبرنا أن جيم هوكينز قد اتجه إلى الشاطئ فانقبضت صدورنا.
وتوصلنا إلى قرار، خشية على سلامته، وهو أن نتجه على الفور أنا وهانتر إلى الشاطئ لمزيد من الاستكشاف. واتجهنا مباشرة إلى الحصن الذي يظهر على الخريطة، فوجدناه مكانًا منيعًا حصينًا، به نبع مائي عذب وله سور مرتفع. فرأيناه مكانًا مناسبًا للدفاع. بعدها سمعنا صرخة رجل يحتضر، فظننا على الفور أن جيم هوكينز قُتل هذه المرة لا محالة.
فرجعنا أدراجنا على الفور إلى السفينة، فوجدت وجه تريلوني شاحبًا كالورقة البيضاء، كما وجدت أحد العمال الستة شاحب الوجه أيضًا، فأخبرني الكابتن أنه يظن أن هذا العامل قد ينضم إلى صفوفنا، على الفور أوقفنا ريدروث في المطبخ الذي يقع ما بين الكابينة ومقدمة السفينة ممسكًا ببندقية محشوة بالبارود، وقرّب هانتر القارب الصغير من السفينة، ثم قمت أنا وجويس سريعًا بتحميله بالبارود، والبندقيات، والبسكويت، وبراميل لحم الخنزير، وصندوق الأدوية الخاص بي. أما على ظهر المركب، فقد أبقى الكابتن الطاقم تحت تهديد السلاح قائلًا: «سيد هاندز، هناك اثنان منا هنا سيطلقان النار على أول رجل يتحرك.»
كان أفراد الطاقم مصدومين لكنهم اتجهوا سريعًا إلى الجزء السفلي من السفينة ليجدوا ريدروث بانتظارهم ممسكًا بأسلحته، فعادوا إلى أعلى مرة أخرى، خاضعين تحت تهديد سلاح الكابتن. في تلك الأثناء، كنا قد انتهينا من تحميل القارب وأبحرنا سريعًا نحو الشاطئ.
وصلنا الحصن، وبعد أن تركنا جويس فيه للحراسة، أفرغنا فيه حمولتنا سريعًا بلا توقف، وعندئذ عدنا أدراجنا إلى سفينة الهيسبانيولا. وحملنا القوارب مرة أخرى بشحنة ثانية وتأهبنا للشروع في الإبحار صوب الشاطئ مرة أخرى.
ومع ذلك كنا قد أخذنا أولًا قدر استطاعتنا من البنادق، وألقينا بالباقي من جانب السفينة إلى البحر، وأخذنا نشاهد البنادق وهي تغوص إلى القاع الرملي الرائق. وسمعنا أصواتًا تنادينا من الشاطئ فعلمنا أن ما لدينا من وقت قد نفد. وقبل أن نحمل كل شيء إلى القارب، كان الكابتن يوبخ الرجال الموجودين في الجزء السفلي من السفينة.
«أنا أتكلم إليك يا إبراهام جراي، إني راحل، وآمرك أن تتبع قائدك، لا أظنك مثل بقية هؤلاء الرجال، أمنحك فرصة ثلاثين ثانية لتفكر في الانضمام إلينا، فلتأتِ في الحال، أجازف بحياتي وحياة أصدقائي هنا من أجلك.»
وحالما انتهى من كلامه، سمعنا صوت شجار، وظهر جراي وعلى وجهه ندب من قطع سكين، ثم انطلق جراي نحو الكابتن. بعدها قفزنا إلى قاربنا وأبحرنا نحو الشاطئ.
•••
عندما وصلنا إلى الشاطئ، وجدنا أن رحلتنا هذه المرة كانت أبطأ من سابقتها. كنا خمسة رجال، ومثقلين بأحمال كبيرة للغاية. ناهيك عن أن المدّ كان معاكسًا لنا، إذ كان من الممكن أن يغرق القارب ونغرق معه جميعنا. وفجأة نادى الكابتن علينا.
صرخ الكابتن قائلًا: «المدفع!»
وعندئذ فقط تذكرنا أن المدفع موضوع على متن السفينة، والذخيرة موضوعة على مرأى من الجميع في الجزء العلوي من السفينة. التفتنا لنرى القراصنة الخمسة يجهزون المدفع ليصوبوه نحونا، فارتعدت فرائصنا.
صاح جراي: «لقد كان إسرائيل مدفعي فلينت.» فأدركنا عندئذ أن ثمة قذيفة رائعة في طريقها نحونا.
فانتخب جميع الحضور تريلوني باعتباره أبرع رامٍ. فنهض تريلوني على حين غرة وصوب بندقيته نحو الهيسبانيولا. وبينما كان يصوب رأينا إسرائيل ينحني إلى أسفل، فسقط الرجل الذي يقف إلى وراءه. في تلك الأثناء سمعنا أصواتًا قادمة من ناحية الشاطئ، ورأينا رجالًا يخرجون من بين الأشجار يشيرون باتجاهنا، فاتجه البعض نحو القاربين والبعض الآخر كانوا يركضون باتجاه واحد، بينما اتجهنا نحن نحو نقطة يمكننا أن نهرب من عندها.
حددنا هدفنا وكنا نختبئ من الرجال الذين يتعقبوننا، وأصبح أكبر شيء يخيفنا الآن هو المدفع الذي أخذوا يحشونه بالذخيرة سريعًا. ولم يعبئوا بالرجل الذي سقط من صفوفهم، وعندما انتهى تريلوني من إعادة حشو بندقيته، كان المدفع قيد الاستخدام.
وبينما يسحب تريلوني الزناد إلى الوراء، إذ بهم يطلقون مدفعهم أيضًا، ودوى أعظم صوت قذيفة سمعها جيم هوكينز في كل حياته. وسمعنا صوت القذيفة المزعجة وراءنا، فوق رءوسنا بقليل. تأرجح القارب من عنف القذيفة فغاص الجزء الأمامي من القارب تحت الماء.
وبالطبع تمكنا أنا وتريلوني من حفظ بنادقنا فوق الماء، وكنا نقف وسط المياه الضحلة، لكن معظم الرجال سقطوا في الماء مع بقية مؤننا، وفسدت بنادقهم، ووجدنا أنه لم يتبق معنا الآن سوى بندقيتين، وأن كل مؤننا قد راحت. وما عظّم من محنتنا، أننا سمعنا أصواتًا تدنو منا، وفي مثل تلك الحالة التي كنا نشعر فيها بالشلل التام، خشينا ألا نصل إلى مأوانا في الحصن.
وبشق الأنفس اتجهنا بأقصى سرعة لنا نحو الشاطئ، وغرق القارب المعدم الذي يُلحق بالسفينة، ومعه نصف ما بحوزتنا من البارود والمؤن.
الفصل الرابع عشر
الطبيب يواصل سرده للأحداث
انتهاء اليوم الأول للقتال
ركضنا الآن نحو الحصن، ومع كل خطوة كنا نسمع صوت دنو القراصنة منا. وفي الوقت الذي قصدنا فيه الأرض الخالية من الأشجار، مرر الكابتن بندقيته الجيدة إلى تريلوني الذي رفعها إلى كتفه وصوب. استدرت وأعطيت سيفي لجراي الذي يسعدني أن أقول إنه بصق على يديه، وأمسكه، وأخذ يلوح به في الهواء. لقد انضم إلى الجانب الصحيح.
وكنا نتقدم نحو الحصن عندما ظهر بعض المتمردين، لقد توقفوا فجأة، وأخذنا أنا وتريلوني نطلق النيران، وكان هانتر وجويس يطلقان النيران أيضًا من داخل الحصن، فأردينا أحد الأعداء قتيلًا على إثر إصابته برصاصة في القلب. وتفرق البقية.
وما إن بدأنا نشعر بالانتصار حتى سمعنا دوي طلقة سقط على إثرها توم ريدروث المسكين، وكان من الجلي أنه يحتضر، أما بقية المتمردين فقد تقهقروا، فحملنا ريدروث المسكين على ظهورنا إلى الحصن، وهناك بعدما طلبنا من تريلوني أن يتلو عليه الصلوات ويسأل له الغفران، مات.
وعندئذ فرّغ الكابتن جيبه من الأشياء الكثيرة الصغيرة التي كان يحملها: قلم، وحبل، وحبر، وتبغ، ودفتر السفينة. ثم صعد إلى سقف الحصن وهناك ربط علم إنجلترا إلى قمة شجرة مقطوعة، كان قد جرها إلى أعلى بعناء شديد. وبعدما انتهى من هذا نزل إلى أسفل وسألني عن توقعي لعدد الأسابيع التي يمكن أن نمضيها قبل أن تأتي سفينة أخرى للعثور علينا في حال لم نعد من حيث أتينا. أجبته أنه من المحتمل أن نمضي شهورًا وليس أسابيع قبل أن تأتي سفينة أخرى. عندئذ قال الكابتن إننا لم نجلب المؤن الكافية.
«من المؤسف أننا فقدنا الشحنة الثانية، نحن في ورطة بدونها.»
في تلك اللحظة سمعنا قذيفة مدفع مرة أخرى، وسمعنا صوت القذيفة تضرب البقعة التي وراء الحصن، فأدركنا أنهم يحاولون إطلاق النار علينا، لكننا لم نشعر بالفزع.
قال الكابتن: «استمر في القصف، لن تستطيع البتة أن تضربنا من مكانك، ولكنك ستصنع لنا معروفًا عندما تستنفد كل ما لديك من بارود.»
وبعدئذ أطلق المدفع قذيفة أخرى بلا هدف. واستمر الحال على هذا المنوال طيلة المساء. وفي وقت لاحق من هذه الليلة، تبرع جراي وهانتر بالخروج في محاولة لإنقاذ المؤن من المياه الضحلة حيث تركها المدّ المنخفض على الرمال، الأمر الذي كان بلا جدوى؛ إذ وجدوا أن رجال سيلفر قد استولوا على معظمها بالفعل، وحاصروا بقيتها، وكان كل فرد يحمل بندقية جلبوها بلا شك من مخابئ خاصة بهم.
أخذ الكابتن يدون حالتنا في دفتره: «ألكسندر سموليت: القبطان، وديفيد ليفزي: طبيب السفينة، وإبراهام جراي: معاون بحري، وجون تريلوني: مالك، وجون هانتر وريتشارد جويس: خادما المالك وفلاحان، هؤلاء هم جميع من تبقوا ومعهم مخزون من المؤن يكفي مدة عشرة أيام. أما توماس ريدروث فقد لقي مصرعه على إثر طلق ناري، وجيم هوكينز …»
وفي الوقت الذي كاد ينتهي فيه من الكتابة، سمعنا صرخة سعادة، هرعت إلى الخارج في الوقت المناسب كي أرى جيم هوكينز في وافر الصحة والأمان، يتسلق سور الحصن.
الفصل الخامس عشر
جيم يستأنف سرد القصة
حامية عسكرية في قلب الحصن
ما إن رأى بن العلم يتطاير حتى نبهني إلى أنني يمكنني أن أجد أصدقائي هناك، وظننت أن القراصنة هم الموجودون هناك، لكنه أخبرني أن القراصنة ما كانوا ليرفعوا علم بريطانيا وإنما علم القراصنة المرعب، ذلك العلم الأسود المشهور الذي يحمل جمجمة عليها عظمتان متقاطعتان مطبوعتان باللون الأبيض.
قال بن: «هذا المكان بناه فلينت نفسه، الذي لم يكن يخشى أي مخلوق سوى لونج جون سيلفر!»
أجبته: «حسنًا، لنذهب إلى هناك قبل أن يعثر سيلفر علينا!»
لكن بن الذي لم يكن يثق في إنسان، قرر ألا يذهب. وجعلني أقسم له أن أرسل إليه أحد أفراد معسكرنا غدًا للقائه؛ فلديه اقتراح لنا. وقد أصر أنه لا بدّ أن يأتي أحدنا رافعًا بيده منديلًا أبيض من أجل دواعي الحيطة والحذر.
وأضاف بن قائلًا: «وإذا وقعت في يد سيلفر، لا تدعه يعرف أن بن جان موجود في هذه الجزيرة. فستكون هذه أخرتنا!»
وعدته بأنني لن أفعل هذا، وفي تلك اللحظة، وقعت إلى جانبنا مباشرة قذيفة مدفع فرقتنا، وركض كل منا في طريقه. استمرت القذائف، وكنت على يقين من أنهم يطاردونني. وبعد قليل وصلت إلى أرض فضاء ورأيت أن الهيسبانيولا بعيدة عن الشاطئ ويرفرف عليها علم القراصنة.
ورأيت أيضًا ما الذي كان القراصنة على الشاطئ يفعلونه؛ لقد كانوا يفصلون أجزاء القارب الذي يُلحق بالسفينة ويلقون بالخشب في النيران المستعرة. وكان أولئك الرجال، الذين كانوا مكتئبين بشدة في إحدى المرات وهم يجدّفون بالقوارب الخفيفة جيئة وذهابًا إلى السفينة، يصفقون ويتشدقون بالأغاني ويبدون مثل الحمقى والسفهاء. وكدت أشعر بالأسف على الرجال الذين يتصرفون كالحيوانات المتوحشة.
ورأيت أن هذا الوقت مناسب كي أشق طريقي نحو الحصن، وبينما كنت في طريقي، إذ بي أتعثر بالصخرة البيضاء التي يخفي بن قاربه عندها، وحفظت الأمر في قلبي تحسبًا لاحتياجه في وقت لاحق، وواصلت مسيري وتسلقت سور الحصن واتجهت إلى زمرة أصدقائي.
وعلى الفور أخبرتهم بما جرى معي، ثم أخذت أتحقق من الحصن، فوجدته يفي بالغرض، لكنه كان مليئًا بالدخان من النيران التي كنا نشعلها، ناهيك عن أن جراي المسكين كان معصوبًا من جرّاء الطعنة التي تلقاها في وجهه، وكانت جثة ريدروث المسكين ترقد باردة في أحد أركان الغرفة.
لكن الكابتن بحكمته جعل كلًّا منا ينهمك في بعض المهام؛ نجمع الحطب، ونحفر قبرًا من أجل ريدروث. وتحدثت إلى الطبيب بشأن بن، فقال لي أن لديه شيئًا مميزًا من أجله.
«لدي في منديلي قطعة من الجبن المطبوخ المستوردة من إيطاليا، وسنعطيها له.»
وعقدنا اجتماعًا، ولما أحصينا عدد المتمردين المتبقين وجدناهم خمسة عشر متمردًا فحسب؛ اثنان منهم مصابان، وواحد أصابته المدفعية ومات على الأرجح. وأدركنا أن الجو والبعوض سرعان ما سيتركان أثرهما في الباقين منهم، وقد يمرضون بعد قليل ويصيرون في حالة مزرية.
قال الطبيب: «قد يقررون ببساطة الرجوع في السفينة ويرحلون ويعودون لمزاولة القرصنة.»
دمدم الكابتن، لكنه سرعان ما أدرك أن فقدان سفينته الأولى قد يكون أفضل شيء يحدث لنا.
فجأة، سمعنا صوتًا يرتفع.
«هناك علم هدنة! إنه سيلفر نفسه!»
فركت عيناي وهرعت إلى كوة الجدار لأحدق عبرها.
•••
رأينا رجلين، أحدهما سيلفر الذي كان يلوح براية بيضاء.
قال الكابتن: «من هناك؟»
أجاب سيلفر: «إنني أطالب بالهدنة، سأصعد أنا الكابتن عندك لنصل إلى اتفاق.»
تأفف الكابتن من سيلفر الذي يدعو نفسه كابتن، ومع ذلك وعد بألا يؤذي سيلفر إن جاء إلى هذا الحصن غير مسلح. قفز سيلفر فوق السور، وقد شق طريقه ببطء وصعوبة، فوق التل باتجاهنا. وكان سيلفر يرتدي السترة الزرقاء، أبهى حلله، وقبعة مزخرفة طرفها في مؤخرة رأسه.
وعندما دخل الحصن لم يسمح له الكابتن بذلك، وأُجبر سيلفر على أن يمكث في الرمال على الجانب المقابل من الكابتن.
قال سيلفر: «إنه صباح قارص البرودة يا سيدي على أن أجلس على الرمال في الخارج.»
لم يكترث الكابتن لكلامه مخبرًا سيلفر بأنه هو من جلب على نفسه هذا.
«أنت إما طباخ السفينة، أو الكابتن سيلفر وفي هذه الحالة أنت متمرد وقرصان ويمكن أن تُشنق!»
رأى سيلفر كيف أن كل واحد منا يضطلع بحماية أحد أركان الحصن وقد حيانا جميعًا، وعندئذ أشار إلى أن الكابتن قد قتل أحد رجاله في الليل عندما كانوا يقضون وقتًا طيبًا معًا. طار قلبي فرحًا إذ أدركت أن هذا صنيع صديقي الجديد بن جان.
قال سيلفر: «حسنًا، على كل حال نحن نريد الكنز. وأنتم تريدون النجاة بحياتكم؛ وأنتم لديكم الخريطة، والآن لا أنوي أن أؤذيكم …»
عندئذ ثار ثائرة الكابتن، وأخبر سيلفر أنه يعرف خطته بالكامل، ويرفض أن يلبي له أي مطلب.
حدق كل منهما في عيني الآخر دون أن ينبس ببنت شفة، وكان الأمر أشبه بمشاهدة مسرحية على المسرح.
تكلم سيلفر بعد لحظات: «أعطنا الخريطة وسيكون أمامك اختيار من اثنين: إما أن نأخذكم معنا ونعود بكم ونترككم في مكان آمن، أو يمكنكم المكوث هنا وسنعطيكم نصف مخزوننا من المؤن، وهذا كرم مني.»
قال الكابتن: «هل هذا كل ما لديك؟ إن كان الأمر كذلك، اسمعني أنت، إليك ما لدي، إذا جئتم إليَّ فردًا فردًا غير مسلحين، فلسوف أكبل كل واحد منكم وستخضعون لمحاكمة عادلة، وإذا لم تأتوا فلسوف أراكم جميعًا غرقى في قاع البحر. لن تعثروا على الكنز. كما لا يمكنكم أن تبحروا بالسفينة، وهذه آخر الكلمات الطيبة التي تسمعونها مني، وبعدها ستتلقى طلقة في ظهرك. والآن اغرب عن وجهي.»
قال سيلفر بصوت مرتفع: «حسنًا، دعنا نتصافح للتصديق على ما توصلنا إليه.»
أجاب الكابتن: «أرفض هذا رفضًا تامًا.» ورفضنا نحن أيضًا بدورنا.
فزحف سيلفر إلى الخارج، وعندما خرج بصق في نبع مياهنا العذب.
قال سيلفر: «هذا هو رأيي فيك! اضحك كيفما شئت الآن، وستندم بعد ساعة من الآن. محظوظ من سيموت!» وقد شق طريقه نحو السور وهو يصرخ بهذا ويلعن، حيث جره رجاله إلى الجانب الآخر.
الفصل السادس عشر
الهجوم
ما إن اختفى سيلفر، حتى التفت إلينا الكابتن وعنفنا بضرواة لتركنا مواقعنا، ولم ينج من هذا التوبيخ سوى جراي الذي ظل مكانه. وعندئذ حشونا بنادقنا وتأهبنا للآتي.
قال الكابتن: «لست في حاجة لأخبركم بالآتي. هم يفوقوننا عددًا لكننا باستطاعتنا أن نحارب لو اتبعنا خطتنا.»
انتعش كل فرد فينا باحتساء كوب ماء بارد من نبعنا، وصرنا على أهبة الاستعداد. وأطفأنا النيران لكن الدخان لا يزال يتراقص في الهواء. واتخذ كل منا موقعه، وعندئذ سأل جويس، الخادم، إن كان من المفترض أن يطلق النيران لدى رؤية أحد الرجال.
صرخ الكابتن: «قطعًا.» وبعدها جلس منتظرًا مستشيطًا غضبًا. ودون أن يهدر جويس أي وقت، أطلق النيران صوب الغابة، وجرى الرّد على ذلك بثلاث طلقات.
سأل الكابتن: «هل أصبته؟»
أجاب جويس: «لا يا سيدي، لا أظن ذلك.»
ومنذ تلك اللحظة لم ينقطع الهجوم المتواصل. وظهرت مجموعة من القراصنة تخرج من الغابة متجهة صوب سورنا مباشرة، واحتشدوا فوق السور كالقرود، فأطلقنا جميعًا النيران، فسقط منهم ثلاثة رجال، وقفز رجل خفيف الحركة ثم اختفى، واخترق أربعة رجال السور، وواصل سبعة رجال أو ثمانية التصويب نحونا دون أن يحدثوا تأثيرًا يُذكر، إذ كانت تصويباتهم تعجز عن الوصول إلينا.
لكن سرعان ما داهمنا القراصنة الأربعة بضراوة، وانقلب وضعنا جميعًا، فبعدما كنا نغطي المكان تغطية آمنة، صارت ظهورنا مكشوفة؛ إذ كانت هناك هجمات نارية في كل الأرجاء، وتأوهات، ولعنات، ودعانا الكابتن إلى أن نستل سيوفنا ونحارب وجهًا لوجه وسط السحابة الدخانية.
أحكمت قبضتي على سيفي فأصيبت أصابعي، ورأيت أحد القراصنة يمسك ببندقية هانتر ويضربه بها ضربة عنيفة، ورأيت الطبيب يصيب أحد المتمردين بجرح في وجهه، وسمعت الكابتن يتأوه تأوهات الإصابة.
التفتُ لأجد القرصان أندرسون يداهمني شاهرًا سيفه، لم يكن لدي متسع من الوقت حتى أشعر بالخوف، إذ فقدت توازني، وسقطت من أعلى التل مباشرة. وعندما استقررت على الأرض، رأيت أحد القراصنة يقفز من على السور وخنجره في فمه. وفجأة انتهى القتال.
ضرب جراي أحد القراصنة بسيفه، ومات آخر رميًا بالرصاص لدى اقتحامه المبنى، وثالث مات على يد الطبيب. وكان الرابع يلوذ بالفرار الآن من فوق السور.
صرخ الطبيب فينا جميعًا بصوت مرتفع كي نطلق النيران، لكننا لم نعد قادرين على المضي قدمًا في القتال. وفجأة بعدما ولوا جميعهم الأدبار، شاهدت خسائرنا؛ كان هانتر مرميًّا على الأرض فاقدًا الوعي، وجويس ميتًا إثر إصابته بطلق ناري في رأسه، وتريلوني ممسكًا بالكابتن الشاحب الوجه.
قال السيد تريلوني: «الكابتن جريح!»
سأل الكابتن: «كم قرصانًا قتلنا؟»
أجاب الطبيب: «خمسة.»
بالكاد شعر الكابتن بالرضا بما أنجزناه.
قال الكابتن: «حسنًا، الآن تبدو فرصنا في النجاح واعدة، فقد ارتفع عدد القتلى من أربعة إلى تسعة. وكنا نحن سبعة في مقابل تسعة عشر من قبل.»
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق