الجزء الرابع
مغامرتي البحرية
الفصل السابع عشر
كيف بدأت مغامرتي البحرية
لم يعد المتمردون مرة أخرى في هذا اليوم؛ إذ حصلوا على كفايتهم من القتال هذا اليوم. وفيما يخصنا، لم يتعاف هانتر ومات في هذه الليلة من جرحه. وجُرح الكابتن سموليت جرحًا غائرًا لكنه لن يترك أثرًا، فقد اخترقت الطلقة كتفه وجرحت رئته. وقد كُتبت له النجاة، لكنه كان يخضع لأوامر الطبيب الذي أمره بالراحة التامة وعدم الحركة.
وبعد الظهر مباشرة، عندما كان الساحل خاليًا من الأعداء تمامًا، ارتدى الطبيب الحزام الذي يحمل مسدسه وخرج في هدوء للقاء بن جان. ورأى جراي أن خروجه في ظل الظروف الراهنة يعد جنونًا.
في تلك الأثناء أخذت أفكر في أن هذا جور مني أن أجلس وأترقب ما يحدث؛ فتسللت إلى الخارج، وملأت جيوبي بالبسكويت، وشرعت في مهمتي. لقد قررت أن أذهب لأتأكد من وجود قارب بن وأتفقد حالته، وسلحت نفسي بمسدسات وبارود وتسللت خارجًا. وكانت حماقة مني أن أفعل ذلك، لكني كنت غرًّا. ولكن اتضح فيما بعد أن هذا ساعد في إنقاذ حياتنا جميعًا.
أسرعت بطول الشاطئ نحو الصخرة البيضاء، وعندئذ رأيت السفينة تتمايل وسط الأمواج في نفس المكان، وكان علم القراصنة لا يزال يرفرف. ورأيت سيلفر والقرصان الذي رأيته آخر مرة آتيًا عبر السور، عائدين إلى الشاطئ بالقارب. وسمعت قهقهة ببغائه تحملها الرياح، فأسرعت نحو الصخرة البيضاء.
وكان القارب مخفيًّا جيدًا تحتها، وكان هذا القارب هو أبسط وأخف قارب بدائي، وبدا وكأنه قد صنعه رجال منذ مئات السنين، لكنه كان خفيفًا ومن ثم سيطفو على وجه المياه.
وسرعان ما راودتني فكرة أخرى لم أستطع التخلص منها؛ لقد فكرت في أن أبحر بالقارب تحت جنح الليل وأتجه إلى الهيسبانيولا، وعندئذ سأفك السفينة وأدعها تذهب في الليل إلى شاطئ آخر في خليج صغير آخر. لقد ظننت أن هذا قد يمنع القراصنة من السفر عبر البحار للقتل من جديد. وظننت أن هذا سيسهل عليّ لأنهم كانوا مهملين وغير منتبهين.
انتظرت حتى أرخى الليل سدوله وحلّ الضباب، وتناولت البسكويت الذي معي، وعندئذ حملت قاربي الخفيف إلى الماء. وفي الظلام رأيت أنه لم يكن هناك سوى ضوءين؛ أحدهما كان للنيران التي يشعلها القراصنة المهزومون المنتشرون على طول الشاطئ، والآخر للهيسبانيولا. وضعت قاربي في البحر وأبحرت نحو الهيسبانيولا.
•••
تقدمت بقاربي الجديد عبر الأمواج وتمكنت من أن أدنو من الهيسبانيولا. واستغرقت بعض الوقت حتى أعتاد القارب، لكنه كان قاربًا صلب البنية وخفيفًا في الماء. وقبضت على الحبل الضخم الذي يثبت السفينة الذي يُطلق عليه اسم «الهوسر»، وكان قويًّا ومشدودًا، وكنت أعرف أنه بقطع هذا الحبل ستهيم الهيسبانيولا على وجهها في الماء.
وكنت أعلم أيضًا أن حبل الهوسر الضخم المشدود بإحكام من الممكن أن يتحرك بردة فعل عنيفة ويقتلني بقوته إذا قطعته مرة واحدة، لذا بدأت أقطعه بالتدريج خيطًا خيطًا. وبينما كنت أقطع الخيط الأخير، إذ به ينزلق تحت الماء.
وكانت تتناهى إلى مسامعي بعض الأصوات المرتفعة القادمة من الكابينة، والآن أخذت أميز أنها أصوات عراك على ظهر المركب، وأخذت الأصوات الغاضبة تعلو أكثر فأكثر. وعرفت أنها صوت إسرائيل هاندز وقرصان آخر، ذلك القرصان الذي كان يضع نصل الخنجر بين أسنانه الذي حاول أن يتسلق السور. لقد سمعتهما يتبادلان السباب بألفاظ بذيئة، ثم ساد الصمت لحظة. وكانت تتناهى إلى مسامعي أيضًا أصوات المتمردين على الشاطئ الذين كانوا يتغنون بأصوات مزعجة.
أخيرًا هبت ريح خفيفة وتمايلت السفينة وأخذت تتحرك بعيدًا، وفجأة إذ بي أجد نفسي أنجرف في أعقاب السفينة الكبيرة، وخلت أن قاربي قد يتحطم، لكن لم يحدث هذا، لا أعرف كيف! والآن قررت أن أرفع نفسي إلى أعلى لألقي نظرة على ما يحدث بداخل الكابينة، ورأيت الرجلين يتصارعان بضراوة، وكل منهما يمسك بتلابيب الآخر، فجثمت إلى أسفل بسرعة وأغمضت عينيّ بإحكام.
وسمعت المزيد من الغناء القادم من جهة الشاطئ:
خمسة عشر رجلًا في صندوق كان لرجل ميت …يوو وو وو، وزجاجة رم!اشرب وسيتولى إبليس باقي الأمر … يو وو وو، وزجاجة رم! فجأة شعرت بأن سرعة القارب قد ازدادت، وفتحت عيني لأجدنا نسرع بعيدًا عن الشاطئ. وكانت نيران المخيم ورائي مباشرة، وكنا نتحرك في مسار جديد، وكنا نتجه نحو عرض البحر، ورأيت السفينة وهي تتمايل على جانبيها، وفطن البحاران بداخلها إلى أنهما في خطر داهم، فتوقفا عن القتال، وأدركا أن ثمة كارثة تحدق بهما.
انبطحت في قاع قاربي الصغير، مغمض العينين مرتجفًا من فرط الخوف. وترقبت أن أموت غرقًا في قاع البحر ما بين لحظة وأخرى، متخيلًا نفسي أغرق تحت الأمواج العاتية. وبعد قليل بدأت أفقد الحس وأشعر بالإنهاك، ورحت في سبات عميق أحلم بالمنزل وبحانة الأدميرال بينبو بعيدًا عن هلعي في البحر.
الفصل الثامن عشر
رحلتي البحرية في الزورق الصغير
عندما استيقظت من غفلتي كان قاربي الصغير يندفع بشدة نحو الطرف الجنوبي من جزيرة الكنز، وكنت متعبًا من شدة الظمأ، ووجدت نفسي أدخل وأخرج من أمواج عاتية تتقاذفني جيئة وذهابًا بلا توقف.
ولم يكن بمقدوري أن أجدف، ووجدت أنني إما سأغرق أو أتحطم على الصخور الحادة إن اقتربت من الشاطئ. ورأيت ما يشبه الحيوان الرخوي الضخم على الصخور، وعرفت فيما بعد أن هذا الحيوان كان أسد البحر يجلس في الشمس.
وأدركت أنني لن أستطيع الاتجاه نحو الشاطئ وأنني كنت اتجه شمالًا نحو مرسى منطقة وودز. وظننت أنه ربما بمقدوري أن أرسو هناك، وكنت لا أزال أسير وسط الأمواج عندما أدركت أنني لو جعلت القارب يسير وحده مع الأمواج، فسأحرز تقدمًا. تحرك القارب فوق الأمواج كورقة الشجر، وظننت أنني قد أصل إلى اليابسة، لكن ذلك لم يقدر لي.
ولمّا كنت أتقلب في الشمس الحارقة، حيث كان رأسي يحترق وقد جفّ حلقي، انجرفت إلى ما بعد البقعة التي يرسو عندها القارب. ترى ما الذي كان يجدر بي فعله؟
وبينما كنت أدور حول الرأس التالي، إذ بالهيسبانيولا تتجه بكامل سرعتها نحوي. في بادئ الأمر ظننتها ستتجه في الاتجاه الآخر، وعندئذ ظننت أن البحارين قد أفاقا من نومهما الثقيل وهما يتعقبانني الآن. وعندما تحركت السفينة حركة غريبة أخرى، ارتبكتُ وشُل ذهني عن التفكير.
وعندما رأيت السفينة العملاقة تتقاذفها الأمواج، أدركت أنه لا أحد يقودها؛ فإما أن الرجلين عمدا إلى الاختباء على سطح السفينة أو أنهما هجرا السفينة، وعندئذ خطر ببالي أن أحاول أخذ السفينة وأردها إلى قبطانها.
أيُعقل هذا؟ أيمكنني أن أصعد على متن السفينة وأقودها وأعود بها؟ ماذا لو أن القرصانين المرتعدين كانا لا يزالان على متنها، هل بمقدوري أن أوثقهما، وأتولى دفة السفينة؟ تحمست للفكرة، وحاولت أن أشق طريقي نحو السفينة استمرت في الإبحار نحوي وكانت الأمواج تتقاذفها والرياح تعصف بها.
اقتربت من جانب المركب، ووجدت أنه ليس لدي سوى فرصة واحدة، وكنت أستطيع أن أرى معدات السفينة المصنوعة من النحاس اللامع، وظننت أن الأمر قد يكون يسيرًا. لكن الرياح توقفت وظلت السفينة في مكانها. وعلى حين غرة، أخذت السفينة تدور وهي متجهة نحوي، وكانت نافذة الكابينة لا تزال مفتوحة. اقتربت السفينة، ورأيت أنها قد تلف حولي، وأن عمود مقدمة السفينة، الذي هو عارضة خشبية تنتأ من مقدمة السفينة؛ سيكون فوق رأسي. قفزت كالصاروخ من القارب إلى الهواء ممسكًا بالعمود، وفجأة ارتفعت السفينة إلى أعلى ثم هبطت إلى أسفل على قاربي الصغير محطمة إياه، وأدركت عندئذ أنه لا سبيل للعودة إلى الوطن إلا عن طريق الهيسبانيولا.
الفصل التاسع عشر
نكست علم القراصنة وجعلت إسرائيل هاندز يساعدني في ذلك
تأرجحت وأنا معلق في عمود السفينة، وأدركت أنني لا بدّ أن أنطرح في البحر، وكانت ضربات قلبي تتسارع بشدة عندما زحفت عائدًا إلى ظهر السفينة، ووقعت عيناي على منظر مفجع ومحبط؛ إذ كان الطين يغطي كل الأرجاء مكونًا طبقة جافة، وكانت هناك زجاجة مكسورة تتدحرج في أرضية السفينة جيئة وذهابًا. ووجدت أن كل الأشرعة مرفوعة، لكن الحارسين يرقدان على كومة على سطح السفينة.
رأيت إسرائيل والبحار الآخر يتدحرجان مع الرياح، ومع أن إسرائيل كان يتحرك، إلا أن الآخر كان يرقد على ظهره ثابتًا كالصنم، وتعلو وجهه ابتسامة مريعة؛ لقد كان غارقًا في بحيرة من الدماء. وفجأة بدأ إسرائيل يتأوه وينقلب، ورأيته مجروحًا وينزف. سرت بتؤدة نحو جسده ونظرت إليه من أعلى.
قلت في سخرية: «أفق يا مستر هاندز.»
وعندئذ انقلب هاندز وطلب شيئًا ليشربه إذ كان يشعر بظمأ شديد، وأدركت عندئذ أنه يستطيع القيام بنفسه، ولم يكن لدي وقت لأهدره، فأسرعت إلى الجزء السفلي من السفينة لأجد كل شيء مدمرًا؛ الطين والزجاج المكسور في كل الأرجاء، والكتب مفتوحة، والمخزون من المؤن مبعثر على نحو عشوائي. وفي الضوء الباهت أخذت أبحث عن طعام وبرميل ماء، فعثرت على بسكويت، وفاكهة محفوظة، وزبيب، وبعض الجبن. فأحضرت هذا إلى الجزء العلوي من السفينة، وبعدما تناولت وشربت كفايتي، أعطيت لهاندز بعض الجبن والبسكويت، بالإضافة إلى بعض الماء ليشرب.
سألته: «هل تشعر بالألم الشديد؟»
أومأ برأسه وتأوه وقال: «لقد مات. والآن، من أين جئت؟»
«لقد جئت لأرجع بالسفينة، وستدعونني الكابتن حتى إشعار آخر.»
نظر إليّ شزرًا، ولم ينبس ببنت شفة. وأخبرته أنني سوف أنكس علم القراصنة ثم صعدت وفككت العلم في سعادة.
قلت: «هناك آخرة لسيلفر.»
قال هاندز: «حسنًا، أنا وهذا الرجل كنا ننوي أن نعود بالسفينة، والآن مات هذا الرجل ونحتاج إلى رجلين للإبحار بها، لذا أقترح أن تحضر لي منديلًا كي أربط به رجلي النازفة، وسأساعدك في العودة بها.
أجبته: «لست أحمق، لن أعود إلى خليج كيد حيث يكون سيلفر.»
– «حسنًا، ليس أمامي خيار الآن، أليس كذلك؟ إنها سفينتك الآن، وأنا مجروح، لذا سوف أبحر أينما تريد، أقسم لك!»
وعندئذ عقدنا اتفاقًا، وقد ربطت جرحه ثم تناول هاندز قدرًا يسيرًا من الطعام، ثم بدأنا نبحر بالسفينة لنعود بها إلى الشاطئ. وبعد قليل كنا في طريقنا، ولكن حينما أخذ يستعيد قوته، رأيت نظرته المنكسرة تتحول إلى سخرية. ثم بدأ يراقبني بمكر عن كثب وهو يحدق إليّ وأنا أعمل.
•••
والآن شققنا طريقنا أنا وهاندز تحت إرشاده عبر المياه المزبدة في عرض البحر في سفينة الهيسبانيولا. وتوقفنا مرة أخرى بعد قليل لتناول وجبة أخرى، وبدأنا نتحدث.
قال هاندز: «حسنًا أيها الكابتن، أتساءل هل بمقدورك أن تنزل إلى أسفل وتحضر لي المنظار؛ فهاتان العينان الكليلتان تحتاجان إلى بعض المساعدة في ضبط مسارنا.»
حول نظره عني ونظر نحو البحر، وكان من الجلي أنه ينوي أن يفعل شيئًا ما خلسة، ويريدني أن أبتعد عن سطح السفينة، لكنني فكرت أنه ربما يكون بمقدوري أن أفوقه حيلة.
قلت له: «بالطبع، لن يستغرق هذا مني سوى لحظة واحدة.»
وبعدها أسرعت إلى أسفل، وخلعت نعلي، واقتربت منه عن طريق ممر آخر حيث يتسنى لي رؤيته دون أن يراني، فرأيته وقد دبت الروح فيه، وأخذ يزحف بعناء نحو الرجل الميت، وانتزع من جسده سكينًا، ومسح الدم عنه، ثم دسه في كمه وزحف إلى مكانه مرة أخرى. وصار من الجلي أنه ينوي قتلي.
رجعت بسرعة إلى الجزء السفلي من السفينة لأجد منظاره، وأدركت أنه كان في حاجة إليّ كي أقود السفينة لأعود بها إلى الشاطئ، وعندما نصل إلى هناك سأكون في حيص بيص، لكني الآن في أمان.
عدت إلى أعلى السفينة وأعطيته آلته النحاسية المصقولة.
ثم قال هاندز: «والآن يا كابتن هوكينز، اتبع أوامري ولسوف نصل إلى الشاطئ في وقت لا يُذكر.»
وقد أراني أين عسانا أن نصل، وبدأت أضبط الشراع، وأتأكد من أننا سنبلغ مبتغانا.
قال هاندز: «اثبت، اثبت، اثبت!» وفي اللحظة الأخيرة غيرت اتجاهنا، واتجهنا نحو شاطئنا. وكنت منكبًّا على العمل حتى إنني لم أشعر به ورائي إلا في اللحظة الأخيرة، فاستدرت وصرخت عندما رأيته يندفع نحوي، وأطلقت الشراع الذي سرعان ما أطبق عليه بإحكام وكبح جماحه تمامًا. وقبل أن يستطيع أن يحرر نفسه منه، ركضت بعيدًا، لكنه كان عاقد العزم على أن ينال مني.
وبسرعة حاولت الوصول إلى مسدساتي وضغطت على الزناد، لأجد أن مياه البحر قد أفسدتها، فلعنت غبائي وركضت مرة أخرى. وكان هاندز يتحرك بخفة غير معهودة لرجل مجروح، وسرعان ما ضيق الخناق عليّ على ظهر المركب. راوغته وراوغني، وظللنا على هذا المنوال بعض الوقت، وكل منا يحترز من الآخر.
وعندئذ، ارتطمت السفينة على حين غرة بالشاطئ، فألقت الرجّة الناجمة عن الارتطام بنا في الهواء، وعندما توقفت، مالت السفينة فلم يكن هناك مكان للوقوف على سطحها، تعثر هاندز بالجثة، في حين كنت أنا أتسلق إلى أعلى نحو قمة صاري السفينة، وهناك حشوت مسدساتي في عجالة وجعلتها قيد الاستعمال. رفع هاندز عينيه نحوي وأخذ يهزأ بي في خبث، ثم وضع سكينه بين أسنانه وبدأ يتسلق الصاري ورائي ببطء وعناء شديدين. وبعد وقت قليل، دنا مني بدرجة كبيرة أزعجتني.
قلت له: «خطوة واحدة أخرى يا سيد هاندز، وسوف أنسف رأسك.» وكانت تمتزج بنبرتي بعض السخرية، إذ خِلت أنني المنتصر. توقف هاندز مكانه، وأدركتُ بطء تفكيره، ثم أخرج الخنجر من فمه كي يتحدث.
– «حسنًا، نحن عالقان، ولولا هذا الارتطام لكنت نلت منك، لكنني غير محظوظ.»
وابتسمت عندما لاحظته يسحب يده بخفة وببطء إلى الوراء، وأمسك بسكينه الذي صوبه نحوي مباشرة فثبتَ كتفي بالصاري. صرخت متألمًا، وبعد أن أطلقت نيران كلا المسدسين من هول الصدمة، وألقيتهما في المحيط، لكنهما لم يسقطا وحدهما؛ إذ صحبهما إسرائيل هاندز ميتًا إلى قاع المحيط.
الفصل العشرون
عملات معدنية
غاص هاندز في المياه، ورأيت بقعة من الدماء تظهر على السطح. وبعدها بدأت أشعر بالغثيان، ولم أستطع أن أنتزع جسدي كي أحرره من الخنجر، وكنت مذعورًا أن أسقط من مكاني فأموت إلى جانب إسرائيل هاندز. وعندئذ ارتجفت، الأمر الذي حررني من نصل الخنجر، إذ اتضح أنني ملتصق بالصاري بطرف صغير من كتفي، وجزءٍ كبير من قميصي.
نزلت الصاري، وعندما نظرت حولي قررت أن ألقي الجثة الأخرى في البحر، وحاولت أن أضبط السفينة قدر استطاعتي حتى أحفظها، ثم أغادرها.
قفزت عن ظهر الهيسبانيولا وقصدت الغابة في فرح، وفكرت في الترحيب البطولي الذي سأتلقاه والطريقة التي سأُعامل بها لدى عودتي. لقد تصرفت بحماقة، لكن مكافأتي هي استرداد السفينة، وظننت نفسي شجاعًا ومحظوظًا.
واصلت المسير، وحلّ الغسق، ودنوت أكثر فأكثر من البقعة التي التقيت عندها للمرة الأولى ببن جان المسكين، رجلنا في الجزيرة. وعندما أظلم الليل أكثر فأكثر، أخذت ثقتي بنفسي تزيد، وظللت أتعثر وأتدحرج على الحفر الرملية.
وسرعان ما وجدت نفسي أسير في ضوء القمر، وقد أراحني هذا لكنني كنت لا أزال أسير بحذر، فلم أكن أبتغي أن تنتهي مغامرتي بأن يطلق عليّ أفراد جماعتي النيران. وأخيرًا لمّا وصلت الحصن وجدت بقايا النيران المدخنة الهائلة، وتعجبت لماذا كل هذه النيران الهائلة، لا بدّ أنها أوُقدت معارضة لأوامر الكابتن.
ورأيت الحصن مظلمًا، وبدا لي أن ليس به أحد، فظننت أنه ربما وقع مكروه عندما كنت بالخارج. زحفت على يديّ وركبتيّ، ولمّا اقتربت أكثر فأكثر ساورتني بعض الشكوك في أنهم يضعون حراسة غير جديرة بالاعتبار، ولمّا بلغت الباب ووقفت لم أستطع أن أرى أي شيء بعينيّ.
وعندئذ دخلت، وابتسمت؛ إذ خِلت أنه ربما أستلقي في مكاني وأفاجئهم في الصباح، وبينما كنت أفكر في هذا، إذ بي أسمع صرخة حادة اقشعر لها بدني.
تكررت الصرخة: «عملات معدنية، عملات معدنية!» لقد كان ببغاء سيلفر الكابتن فلينت! إنه هو الحارس، وقد ضبطني! التفت لأسمع صوت سيلفر المألوف:
«من هناك؟»
استدرت فوجدتهم يحيطون بي.
قال سيلفر عندما أُلقي القبض عليَّ: «أحضر ضوءًا يا ديك.» ذهب الرجل ليعود بعد قليل ومعه مصباح متوهج.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق