الأحد، 24 سبتمبر 2017

الجزء الأول القرصان العجوز



الجزء الأول

القرصان العجوز




الفصل الأول
البحار العجوز في حانة أدميرال بينبو



طلب مني عدد كبير من الناس أن أدون قصة جزيرة الكنز بأكملها، وهذا ما سأفعله، لكني لن آتي على ذكر موقع الجزيرة. بدأت القصة في الماضي حينما كان والدي يدير حانة اسمها «أدميرال بينبو»، كان الليل قارص البرودة، وكنا نسمع دويَّ الرياح عندما أهلَّ علينا للمرة الأولى البحار العجوز ذو الوجه النديب. 

دخل الرجل علينا فجأة، وكان منظر صندوق أمتعته غريبًا؛ إذ كان يجره وراءه بعجلة يد. وكان الرجل قوي البنية وطويل القدّ، بشرته بندقية اللون، وتتدلى على سترته الزرقاء ضفيرة سوداء، وفي الحقيقة بدا كل شيء فيه قذرًا حتى يداه وأظافره، وكان بياض الندبة الممتدة على وجنته يظهر بوضوح على بشرته المثيرة للاشمئزاز. وكان يصفر ويغني الأغنية التي ستتكرر على مسامعي في أوقات كثيرة: 

خمسة عشر رجلًا في صندوق كان لرجل ميت …يوو وو وو، وزجاجة رم! بعدما ألقى بعصاه الثقيلة على الأرض، ظهر أبي، وبدا أن الضيف لم يلحظه في بادئ الأمر لانشغاله الشديد بالنظر في أرجاء الحانة. 

قال الغريب: «خليج قريب، ويسهل الوصول إليه أيضًا. لا بدّ أنكم كنتم منشغلون بشدة مؤخرًا، أليس كذلك؟» 

أجابه أبي: «لا.» وقد كانت هذه الحقيقة؛ إذ كان العمل يسير ببطء في الفترة الأخيرة. 

ردّ الرجل: «حسنًا، إذن سيفيدني هذا المكان الرائع.» ثم التفت إلى الرجل الذي كان يدفع عربة اليد وقال: «أنت، سأحتاج بعض المساعدة في حمل صندوقي إلى أعلى.» ثم استرسل الرجل بصوت أجش: «سأمكث هنا بعض الوقت، وأنا رجل بسيط؛ لا أريد سوى لحم الخنزير والبيض، والواجهة المطلة على الخليج هناك كي أراقب السفن. يمكنكم أن تنادوني بالكابتن.» 

لاحظ الرجل نظرة أبي المرتابة، فألقى أمامه ببعض العملات الذهبية التي أخرجها من كيس نقود جلدي صغير، ثم قال في شراسة: «أخبرني عندما تصل إلى قرار، بحوزتي الكثير من المال!» 

ومع أن الرجل بدا وضيعًا ورث الملابس وفظ الأسلوب، بدا أنه تعود من الناس أن يطيعوه. وقد أخبرنا الرجل الذي كان يحمل أمتعته أنه وصل إلى الميناء في هذا الصباح، وأنه سأل عن حانة هادئة مطلة على الساحل، هذا هو كل ما استطعنا أن نعرفه عن ضيفنا الغامض. 

وقد كان رجلًا صامتًا يقضي معظم أيامه على الجروف الصخرية عند الشاطئ ينظر في الآفاق عبر تليسكوب نحاسي لامع، وفي الليل يجلس إلى جانب النيران في ردهتنا، وغالبًا كان لا يرد عندما يتحدث إليه أحد، ونجده فجأة يتمخط بصوت يشبه صافرة السفن، وكان نزلاء حانتنا يتجنبونه، وكنت أنا ووالدي نتجنبه أيضًا. 

وبعدما ينقضي مساؤه نجده يسأل إذا كان قد مرّ أي بحارة من هنا؛ ظننا في بادئ الأمر أنه يعاني الوحدة، لكن سرعان ما أدركنا أنه كان يختبئ من شخص ما؛ فكلما اقترب بحار نجده يراقبه من وراء الستار صامتًا كالفأر. 

وبدأ الرجل يضع ثقته فيّ، وقد وعدني في أحد الأيام بأن يعطيني عملة فضية قيمتها أربعة بنسات شهريًّا مقابل أن أترقب «بعينيّ اليقظتين» مجيء بحار بساق واحدة، وأعلمه بذلك فور ظهوره. وكان وجهه يعبس أحيانًا عندما أطلب منه أجرتي، لكنه سرعان ما يرضخ عالمًا أن مراقبتي أهم بكثير من حجب المال عني، وكان يكرر على مسامعي: «انتبه بشدة للرجل ذي الساق الواحدة.» 

وقد استحوذ الرجل الغامض ذي الساق الواحدة على أحلامي، وفي الليالي العاصفة كنت أراه يتجسد في كوابيس؛ فإذ بساقه مقطوعة حتى الركبة ثم حتى الفخذ، ثم يتحول إلى وحش قدمه في منتصف جسمه! كان يركض في أحلامي، يطاردني فوق أسوار وعبر حقول؛ لقد دفعت ثمن مساعدتي إياه غاليًا! 

ومع أنني كنت أخشى هذا الرجل، كانت خشيتي له أقل من خشية معظم الناس له؛ إذ كانوا يرتاعون عندما يغني أغاني البحر الوحشية الكريهة، وفي الليالي العاصفة كان يقص عليهم قصصًا مريعة ويحثنا جميعًا على غناء لازمةٍ من أغنيته: «يوو وو وو، وزجاجة رم»، وكان النزلاء يشاركون الغناء خشيةً على حياتهم. وكلما تعكر مزاجه، كان يحملق في غضب، ويضرب الطاولة بيده، ويثور غضبًا. ولم يكن أحد يجرؤ على مغادرة الطاولة إلى أن ينتهي من الغناء وسرد القصص والترنح حتى النعاس. 

وكانت القصص التي يرويها مرعبة بالفعل؛ قصص مريعة حول الشنق، والسير على ألواح خشبية، وعواصف في البحر. وكان يسره أن يخبرنا بأنه عاش وسط أشنع الرجال الذين كانوا يطلقون على أنفسهم بحارة، وقد صدمتنا ألفاظه الفظة تمامًا وكذا الجرائم التي كان يتحدث عنها. 

وخال أبي أن الحانة ستخرب، وسيبتعد الناس عنها، على حد قوله. لكنني أظن أن وجود الكابتن هو الذي جلب الزبائن الجدد إلى حانتنا. لقد كانوا خائفين في بادئ الأمر، لكنهم ارتضوا أخيرًا أن تدخل بعض الجلبة والإثارة إلى حياتهم الهادئة، بل لقد أُقيم حفل على شرفه، حيث أطلق عليه الشباب «كلب البحر»، «والبحار المحنك»، وادعوا أنه من الرجال الذين جعلوا الأمم الأخرى تبدي احترامها لنا في البحر. 

لكنه ظل في الحانة بعدما نفد ما معه من مال، الأمر الذي بدأ يزعجنا، ولم يكن لدى والدي الشجاعة الكافية ليطالبه بالأجرة؛ فكلما أتى على ذكر الموضوع، صرخ فيه الكابتن وأطال التحديق فيه إلى أن يغادر الغرفة. وأنا واثق من أن هذا أحد أسباب مرض والدي الشديد. 

ولم يبدل الكابتن ملابسه قط، وعندما تهرأت قبعته، ألقى بها في البحر. وقد أصلح معطفه بنفسه، وبنهاية مدة إقامته، كان المعطف عبارة عن رقع من القماش. ولم يكن هناك من يزوره على الإطلاق، ولم يكتب أو يتسلم أي خطابات، ولم يكن يتحدث إلى جيرانه إلا عندما يشعر بالضجر والملل. ولم ير أحد منا قط صندوق أمتعته العظيم عندما يكون مفتوحًا. 

ولم يتحداه أحد سوى مرة واحدة: جاء الطبيب ليفزي ليفحص والدي المسكين، وفي أثناء استراحة الطبيب عندما كان يتناول العشاء ويتحدث إلى ضيف آخر في الردهة وينتظر وصول حصانه، أخذت أراقبه وأقارن بين مظهره الأنيق ومظهر الكابتن؛ فكان معطفه نظيفًا، وأسلوبه غاية في التألق مقارنة بأسلوب ذلك القرصان العجوز البذيء. 

وفجأة بدأ الكابتن في غناء أغنيته: 

خمسة عشر رجلًا في صندوق كان لرجل ميت …يو وو وو، وزجاجة رم.اشرب وسيتولى إبليس باقي الأمر … يو وو وو، وزجاجة رم! وكنت أظن أن هذا الصندوق المذكور في أغنيته يشير إلى صندوق أمتعته، وقد امتزج في أحلامي مع وحش الرجل ذي الساق الواحدة. وفي ذلك الحين لم تعد أغنيته تلفت انتباه أي منا، لكنها كانت جديدة على مسامع الطبيب ليفزي فحسب، الذي نظر شزرًا إلى الكابتن قبل أن يدخل معه في حوار. على الفور لوح الكابتن بيده كي يصمت الجميع، فتوقفنا جميعًا عن الكلام، فيما عدا الطبيب الصالح الذي استمر يتحدث بصوت عالٍ وواضح. حملق الكابتن فيه وانتهره قائلًا: «صه! التفت الطبيب ليفزي إليه وقال جملة واحدة فحسب: «لم اضطر في حياتي قط إلى الإنصات إلى الأوغاد، وبالطبع لن استثني هذه الليلة!» 

وثب الكابتن في غضب عارم وفتح مطواته مهددًا بطعن الطبيب، الذي ظل واقفًا في مكانه ثابتًا كالصنم وتحدث بصوت عالٍ دون أن يغير نبرة الصوت: «إن لم تبعد هذه المطواة، فسأشنقك!» وحملق كلاهما في الآخر بنظرات مرعبة، لكن الكابتن سرعان ما انزوى وجلس متبرمًا، لكن الطبيب لم يكن قد انتهى من كلامه بعد: «والآن وقد علمت بوجود أمثالك في مقاطعتي، فستخضع لمراقبتي، فأنا لست طبيب فقط؛ أنا قاضٍ أيضًا، وإذا سمعت شكوى واحدة ضدك، فسأقبض عليك وأنفيك خارج المدينة، وكفاك هذا التحذير!» 

بعد قليل وصل حصان الطبيب فركبه ومضى في طريقه، لكن الكابتن التزم الصمت هذه الأمسية وظل هكذا عدة ليال بعدها. 


الفصل الثاني
بلاك دوج



لم يمض وقت طويل بعدها حتى حدث شيء غريب خلصنا من الكابتن، لكن ليس من أمتعته: كان هذا الشتاء قارص البرودة، وكان من الجلي أن والدي لن يعيش حتى يرى الربيع، إذ كانت صحته تتدهور يوما بعد يوم، وترك إدارة الحانة لي ولوالدتي؛ لذا كنا منشغلين للغاية فلم نهتم بشأن ضيفنا الكريه. 

وفي صباح أحد أيام يناير/كانون الثاني البارد، والخليج تغطيه طبقة من الجليد والشمس لا تزال في الآفاق، بكر الكابتن عن المعتاد واتجه إلى الشاطئ بتثاقل ممسكًا بمنظار ومرتديًا قبعة في وضع مائل للوراء، وسيفه الصدئ يتدلى من تحت معطفه الأزرق القديم. سار الكابتن بخطى واسعة متأففًا وكأن إهانة الطبيب ليفزي له لا تزال تؤثر في نفسه. 

كانت والدتي بأعلى برفقة أبي وكنت أعد الطاولة عندما انفتح الباب وأطل منه رجل ذو بشرة شاحبة كالشمع مقطوع من يده إصبعان. وكنت طوال الفترة الماضية أترقب مجيء رجل ذي ساق واحدة، وها قد جاء رجل يبدو أن له علاقة بالبحر وإن لم يبدُ بحارًا. 

سألته عما يريد، جلس الرجل وطلب أن أقترب منه. 

سألني الرجل وهو ينظر شزرًا: «هل توجد طاولة هنا من أجل صديقي بيل؟» 

أخبرته أنني لا أعرف أحدًا اسمه بيل، لكن الطاولة معدة من أجل رجل يُدعى الكابتن. 

قال الرجل: «حسنًا، كان بيل العجوز يريد أن يُدعى كابتن، وهو لديه جرح غائر في خده الأيمن، وهو غريب الأطوار. والآن هل بيل في هذا المنزل اليوم؟» 

أخبرت الرجل أنه خرج يتمشى، فطلب مني أن يعرف مكانه، وعندما أخبرته نهض من مكانه وحياني تحية ساخرة. لم أعرف ماذا أفعل؛ فقد كانت طريقة هذا الرجل غريبة، وانتظر الرجل وراء الباب وكأن قطة تتحين الفرصة لصيد فأر. وبعد وقت قصير رأينا الكابتن قادمًا في الطريق. 

قال الرجل: «لنفاجئ بيل.» ثم جذبني لنختبئ خلف الباب. وأدركت أن الرجل نفسه كان مرعوبًا أيضًا، فقد فضحتْه أنفاسه اللاهثة. أخرج الرجل سيفه واستعد، وعندما عبر الكابتن الباب متجهًا نحو طاولة الإفطار نادى الغريب بصوت مرتفع في محاولة للتظاهر بالشجاعة. 

– «بيل!» 

التفت الكابتن وكأنه قد رأى شبحًا، وقال لاهثًا: «بلاك دوج!» 

قال الرجل النحيف: «ومن غيري؟ لقد مرت عدة سنوات منذ أن فقدت هذين الإصبعين …» ثم رفع الرجل بعدها مباشرة يده المريعة. 

قال الكابتن في عنف: «حسنًا، لقد عثرت عليّ، والآن ماذا تريد؟» 

عندئذ أرسلني الرجل النحيف بعيدًا، لكنني أنصت إليهما قدر المستطاع كي أفهم حديثهما الفظ. 

وفجأة بدأ كل منهما يصرخ، وانقلب الكرسي والطاولة، وطارد الكابتن وهو شاهر سيفه بلاك دوج الذي أخذ ينزف من كتفه، لوح الكابتن بسيفه مرة أخرى فأحدث شرخًا في اللافتة الموضوعة على الباب، ولا يزال هذا الشرخ موجودًا حتى يومنا هذا. 

وعلى الرغم من جرح بلاك دوج، فقد ركض نحو الفضاء الفسيح وكأن هذا ملاذه الوحيد. وقف الكابتن ينظر إليه في حيرة وذهول، ثم وضع يديه على عينيه، وفجأة غاب عن الوعي. وكان الكابتن مستلقيًا على الأرض عندما نزلت أمي السلم مهرولة، نادتني أمي، وتمكنا من رفع رأسه، وقد بدا شاحبًا كمن يشرف على الموت. 

رأينا معاناته لكننا لم نستطع أن نفعل شيئًا من أجله إلى أن جاء الطبيب ليفزي وفحصه وقال في فتور: «إنه يعاني جلطة في المخ.» 

أرسلني الطبيب كي أجلب الماء، ثم شق كُمّ ثياب الكابتن مما كشف عن الكثير من الوشام؛ أحدها لرجل يتدلى من حبل مشنقة كُتب تحته اسم «بيلي بونز». 

قال الطبيب: «حسنًا، لا بدّ أن نحاول الآن أن ننقذ حياة بيلي بونز.» وعليه فتح وريد الكابتن وبدأ الدم يسيل إلى الخارج، وعندئذ أفاق الكابتن صارخًا: «أين بلاك دوج؟» 

أجاب الطبيب: «لا يوجد بلاك دوج هنا، أنت تعاني جلطة في المخ وقد أنقذت حياتك مرغمًا.» 

هكذا تحدث الطبيب، وبعدها عانينا أنا والطبيب الأمرين في مساعدة الكابتن على الإيواء إلى فراشه، وقد سحب الطبيب الكثير من دم الكابتن ويجب أن يرتاح مدة أسبوع، وحذره الطبيب من أن إصابته بجلطة واحدة أخرى سوف تودي بحياته. 


الفصل الثالث
الوصمة السوداء



في المرة التالية التي رأيت فيها الكابتن، كان يحاول جاهدًا النهوض من الفراش، ويترجاني كي أقترب منه، وعندما اقتربت منه قال لي هامسًا متوسلًا: «لا أستطيع أن أمكث هنا مدة أسبوع، لقد كنت أرى رؤى لأولد فلينت نفسه! والآن أخبرني هل رأيت ذلك البحار؟» 

سألته إن كان يقصد بلاك دوج. 

– «لا، لا أقصد بلاك دوج، هناك من هو أسوأ منه، قد يسلموني إخطار الموت الذي نطلق عليه «الوصمة السوداء»، وهم يتعقبون صندوق أمتعتي، والآن اذهب إلى الطبيب وأخبره أن يجلب لي كل المساعدة الممكنة إلى هنا. لقد كنت المساعد الأول لفلينت وأنا الوحيد الذي يعرف مكان الكنز. لقد أخبرني عن مكانه قبل أن يموت، انتبه للرجل ذي الساق الواحدة ولبلاك دوج، وأقسم لك بشرفي أنني سوف أخبرك بكل شيء.» 

وبعدها غاب عن الوعي، لكنني لم أذهب للاستعانة بالطبيب لأن الموت داهم والدي الطيب في نفس هذه الليلة، وبالطبع لم أجد لحظة للتفكير في الكابتن. وقد أزعجنا جميعًا بسلوكه المشين قبل الجنازة؛ إذ أخذ يغني أغاني البحر القديمة ويهتاج ويصيح مثل الكلب الكبير الأعمى في الوقت الذي كنا ننتحب فيه موت والدي. 

وفي اليوم التالي، وبينما كنت جالسًا خارج الباب الخلفي أفكر في والدي، إذ برجل غريب كفيف يقترب متكئًا على عكاز قديم ذي مقبض، نادى الرجل بصوت مرتفع متسائلًا عن المكان الذي هو فيه، فأجبته: حانة أدميرال بينبو. وعندما اقترب الرجل، وجدته بلا عينين، وله جفنان فقط، وفجأة قبض على معصمي بعنف شديد. 

قال الغريب: «والآن أيها الصبي، خذني إلى الكابتن وإلا كسرت ذراعك! خذني إليه، وعندما نقترب منه قل: «ها قد حضر صديق لك يا بيل!» 

وعندئذ لوى الرجل ذراعي بقوة وسار معي صوب الحانة حيث ناديت بصوت عالٍ كما أمرني. هبّ الكابتن، وفجأة أصبح في كامل وعيه، وقد بدا مذعورًا ومريضًا حتى الموت، وحاول أن ينهض لكنه كان خائر القوى. 

قال الرجل الكفيف: «والآن يا بيل، امكث في مكانك، أنا لا أرى لكني أستطيع أن أشعر بدبيب النملة. العمل لا يعرف العواطف؛ والآن مدّ يدك اليسرى. أيها الصبي، أمسك يده اليسرى من معصمه وقربها من يميني.» فعلت كما أمرني الرجل، فوضع الرجل الكفيف شيئًا في يد الكابتن. 

قال الرجل: «لقد تمت المهمة.» ودون أن ينطق بكلمة واحدة أخرى خرج من الباب بسرعة كبيرة، وعندما استعاد الكابتن وعيه، نظر إلى كفه فزعًا وقال: «الساعة العاشرة بالتمام! لم يتبق سوى ست ساعات!» 

نهض الكابتن بعدها مباشرة على قدميه، ثم أمسك فجأة بحلقه، وسقط عند قدميّ، هرعت إليه لكن دون جدوى. لقد مات الكابتن، ومع أنني لم أحبه قط، انفجرت في البكاء؛ إذ كان هذا الموت الثاني الذي أشهده خلال يومين. 


الفصل الرابع
خدعة الرجل الضرير



فتح صندوق الأمتعة

أخبرت أمي بكل ما عرفته، وأدرك كلانا أن البحارة المزعجين زملاءه سيأتون على الفور سعيًا وراء صندوقه، وأننا لن نحصل قط على النقود المستحقة لنا. وسمعنا صوت وقع أقدام في الظلام، وكانت الأشباح تطاردنا وسط الضباب. 

قررنا أن نذهب إلى أقرب مدينة للحصول على العون، وكنا نركض مرتاعين، وأخذنا نركض في الليل وسعدنا برؤية أضواء المدينة. لكن هذا كله دون طائل؛ فعندما أخبرنا سكان المدينة ما حدث وأتينا على ذكر اسم الكابتن فلينت، كانوا يتوارون ويخشون مساعدتنا. لقد كان بمقدورهم أن يستعينوا بالطبيب لكنهم ما كانوا ليساعدونا في الدفاع عن حانتنا. 

لعنت أمي الرجال، وأخبرتهم أننا سنجازف بالعودة بمفردنا، وكل ما فعلوه هو أنهم أعطوني مسدسًا محشوًّا بالرصاص، ووعدوني بمنحي الجياد عندما نعود. اجتزنا الضباب في الليل الحالك السواد الذي اختفى قمره متجهين إلى بيتنا. وتمكنا من أن نشق طريقنا للعودة إلى الحانة حيث أوصدنا الباب بإحكام وراءنا، ولم يكن بصحبتنا سوى جثة الكابتن. 

ملت نحوه ووجدت الورقة المجعدة التي كان يخشى بشدة أن تكون من نصيبه، والتي كُتب فيها: «أمامك حتى الساعة العاشرة.» فجأة أخذت ساعتنا تعلن دقاتها، كانت الساعة السادسة فتهللنا؛ إذ كانت لا تزال هناك أربع ساعات متبقية قبل أن يقع أي مكروه. تحسست جيب الكابتن للعثور على المفتاح لكني لم أجد سوى مطواة وبوصلة. رجحت أمي أنه ربما وضعه حول رقبته، لذا مزقتُ قميصه وأنا واثق من وجود المفتاح، وبالفعل عثرت على خيط يتدلى منه المفتاح. 

أسرعنا إلى غرفته ووجدنا الصندوق البالي، وعلى الفور أدارت أمي المفتاح في القفل وفتحته، فكان بداخل الصندوق ملابس جديدة نظيفة للغاية، ومسدسات، وعملات فضية، وحلي من بلاد بعيدة. وتحت هذه الأشياء كان يوجد لفافات من ورق أصفر قديم، وكيس يحتوي على ذهب. أصرت أمي على أن نأخذ ما لنا فحسب. وعندما جلسنا لنعد العملات الأجنبية، أمسكتُ ذراعها بقوة ووضعتُ إصبعي على فمي لتصمت. 

سمعنا صوت نقر عكاز الرجل الكفيف يأتي من جهة الشارع، ثم سمعناه يهز قفل الباب بشدة، وعندما لم ينفتح الباب، سمعناه يتراجع في الظلام ينقر بعكازه أيضًا. 

– «أمي، لنأخذ كل شيء ونرحل!» لكنها ما كانت لتقبل بهذا. وعندئذ، سمعنا فجأة صوت صفير قادمًا من جهة الشارع، فعدلت عن رأيها سريعًا. 

صرخت أمي: «سآخذ ما بحوزتي!» 

– «وأنا سآخذ رزمة الأوراق القديمة هذه.» 

نهضنا بعدها مباشرة، ونزلنا السلم بأقصى سرعتنا، وفتحنا الباب، وركضنا في الشارع. وبينما كنا في طريقنا، إذ بالضباب ينقشع، واكتشفنا أنه كاد يفوت الأوان؛ إذ ارتفع القمر في كبد السماء، وسينفضح أمرنا لو ظللنا في مكاننا. سمعنا مرة أخرى أصواتًا آتية عبر الدرب الذي نسير فيه، فالتفتت أمي نحوي وقالت: «خذ هذا المال، أشعر أنني سأفقد الوعي.» ولمّا فقدت الوعي بالفعل، أمسكتها بين ذارعيّ وجررتها أسفل الجسر المجاور لحانتنا. وكنا لا نزال نسمع الأصوات من الحانة. وجثمت منخفضًا قدر استطاعتي. 


الفصل الخامس
نهاية الرجل الكفيف



طرد الفضول خوفي؛ فخرجت من أسفل الجسر إلى الطريق ورأيت رءوس أعدائي وهي تبزغ وسط الضباب، وكان يقودهم الرجل الكفيف، وبعد قليل بلغ سبعة أو ثمانية منهم الباب. 

صرخ الرجل الكفيف: «اكسروا الباب!» وعلى الفور تدافع الرجال نحوه، واشتدت دهشتهم عندما رأوه مفتوحًا، ثم صرخ فيهم ليدخلوا. وفي لحظات كان الرجال داخل حانتنا، وفجأة سمعت صرخة فزع: «مات بيل!» 

نهاهم الرجل الكفيف عن النواح، وأمرهم بالبحث عن المفتاح في جثة بيل. تدافع الرجال إلى أعلى، وبعدئذ فتحوا النافذة على مصراعيها وصرخوا قائلين: «أولد بيو! لقد سبقنا شخص ما إلى هنا، فالصندوق مفتوح، لكن المال لا يزال هنا!» 

ردّ عليهم: «ملعون المال! أين «قبضة فلينت»؟ هل هي موجودة حول جثته؟» 

بحث الرجال لكنهم لم يعثروا على شيء. عندئذ صرخ بيو الكفيف بصوت عظيم: «إنه الصبي، ليتني اقتلعت عينيه، لقد كان هنا منذ قليل؛ فقد كان الباب موصدًا منذ لحظات، لا بدّ أنه قريب. انتشروا واعثروا عليه!» 

انتشر الرجال في كل أنحاء الحانة يقلبون كل شيء يعترض طريقهم وهم يحاولون العثور علينا، وعندئذ سمعنا صوت صفير يدوي مرتين من ناحية التل. 

قال أحد الرجال: «إنهم رجال الدرك، لا بدّ أن نرحل الآن!» 

لكن بيو انتهرهم وقال عن رجال الدرك إنهم جبناء، ونعت رجاله بالحمق لأنهم لا يجدُّون في البحث. 

صاح بيو: «اعثروا على الولد وسنعيش ملوكًا! لقد كنتم جميعًا جبناء فلم تواجهوا بيل، إلا أنا، وأنا الكفيف!» وعندئذ أخذ بيو يلوح فيهم بعكازه مما أثار جلبة عظيمة بينهم. 

وعلى الفور أخذوا يتعاركون كالقطط والكلاب. وفجأة، أوقف ضجيجهم صوت وقع حوافر الخيل وصوت دوي طلقة مسدس، فولى القراصنة الأدبار في كل الاتجاهات، ولم يتبق سوى بيو الذي أخذ ينقر بعكازه ويسبهم ويلعنهم وهو يمر إلى جانبي مباشرة. وعندما سمع صوت راكبي الخيل، استدار وأخذ يركض في هلع، وزلّ تحت أقدام خيل من خيولهم، فسقط عند أقدامهم ساكنًا بلا حراك. 

لاحظت أن راكب الخيل صبيًّا من المدينة وبصحبته عدد من رجال الشرطة، وقد أدركوا على الفور ما حدث وانطلقوا لمطاردة القراصنة، ولم يقلل من سرعتهم سوى حالة الجو، والحاجة إلى الحفاظ على خيلهم لتسلق التلال الشديدة الانحدار. وعندما بلغوا مرسى السفن، وجدوا أن قاربًا صغيرًا قد انطلق بالفعل وأن القراصنة قد أفلتوا من العقاب. عادت أمي إلى وعيها في الحانة، لكن بيو الضرير لم يعد، إذ لقي حتفه. 

ووجدنا الحانة خرابًا، وبعد أن أخبرتهم قصتي، أدرك رئيس الشرطة أنهم كانوا يسعون وراء لفافة الورق التي أحتفظ بها في معطفي. وقررنا في عجالة أن نشق طريقنا إلى منزل الطبيب ليفزي كي نحفظ هذه الأوراق في مأمن بعيدًا عن أيديهم. بعدها ساعدني الشرطي على امتطاء جواده، وخرجت مرة أخرى في ظلام الليل. 


الفصل السادس
أوراق الكابتن



قطعنا طريقنا بصعوبة إلى منزل الطبيب ليفزي وكان السيد دانس يقودنا في الطريق. نزلنا عن الجياد، لكننا لم نجد الطبيب، فواصلنا مسيرتنا للعثور عليه إذ كان يتناول العشاء بصحبة أحد النبلاء، سُمح لنا بالدخول سريعًا، وأوصلونا إلى المكتبة العظيمة حيث يجلس الطبيب ليفزي للتسامر مع السيد جون تريلوني تحيط بهما أرفف الكتب. 

سارع تريلوني بالسؤال عن أمرنا، وما إن علم هو والطبيب الأمرَ حتى رأيت شغفهما الشديد ورغبتهما في معرفة المزيد، وقد ابتهجا لأننا عدنا إلى الحانة، ثم أخذ السيد تريلوني يذرع المكان جيئة وذهابًا. 

ثم قال: «سيد دانس، أنت رجل نبيل، وما كان لك أن تضيع وقتًا في القلق بشأن سحق هذا الكفيف الشرير تحت أرجل الخيل؛ فالفتى هوكينز قيمته كالذهب.» 

ثم قرروا أنه ينبغي لنا أن نكشف عن محتويات لفافة الأوراق. وأمر رجلان من الرجال أحد الخدم بأن يجلب لي طعامًا ساخنًا لأتناوله، فالتهمته في الحال. وناقش كل من السيد دانس والطبيب ليفزي العديد من الأمور، لكن سرعان ما عاد مجرى الحوار إلى الأحداث الحالية. وسأل الطبيب تريلوني هل سمع عن هذا الرجل الذي يُدعى فلينت. 

أجاب تريلوني في تعجب: «سمعت عنه! لقد كان أكبر قرصان متعطش للدماء؛ كل القراصنة كانوا يخشونه، وقد رأيت ذات مرة مراكبه الشراعية خارج جزيرة ترينداد! كان فلينت أكثر القراصنة ثراءً وخسة!» 

وقد رأوا جميعًا أنه لا بدّ أن يوجد مفتاح للكنز العظيم المذكور في لفافة الورق، وإن كان الأمر هكذا، فسيوفر السيد تريلوني سفينة ويستخدمها للبحث عن الكنز، مهما كانت التكلفة. وافق الطبيب ليفزي على هذا، ثم وضع لفافة الورق على الطاولة، وعلى الفور قطعوا غرز الخياطة ووجدوا أن اللفافة تحتوي على كتاب وورق مختوم، واتفقوا على فحص الكتاب أولًا، ودعوني لأنظر عن كثب وأشارك في هذا الاكتشاف. وقد تملكنا أنا والطبيب ليفزي الذهول والحيرة لدى رؤية علامات وأشكال في أعمدة، لكن تريلوني كان يعلم ما الذي نحمله في أيدينا. 

– «هذا دفتر حسابات الوغد الشرير!» وقد كان بالفعل سجلًّا لسفن استولوا عليها، وثروات منهوبة، وأموال مستحقة في صورة عملات فرنسية وإسبانية وإنجليزية. 

عندئذ وجهنا انتباهنا إلى رزمة الورق المختومة؛ وعندما فتحها الطبيب انبسطت أمامنا خريطة بالملاحظات والاتجاهات، بالإضافة إلى خطوط الطول والعرض. ورأينا ملحوظة مكتوبة وراء تل سباي جلاس كُتب عليها: «يوجد الجزء الأكبر من الكنز هنا.» وكان هناك المزيد من الاتجاهات التي تقود إلى مكان يُدعى جزيرة سكيليتون. 

امتلأ تريلوني بهجة وأمر بإعداد سفينة كبيرة والشروع في رحلة إلى جزيرة الكنز في الحال. 

قال تريلوني: «سأكون أنا الأميرال، وأنت يا ليفزي طبيب السفينة، وسيكون هوكينز في خدمتنا! ولسوف نحضر معنا رجالي: ريدروث، وجويس، وهانتر.» 

كان تريلوني يتقد بالحماس الشديد الذي كان يظهر على وجهه، لكن الطبيب أراد أن يقول شيئًا. 

فقال: «الشخص الوحيد الذي أخشى منه هو أنت يا تريلوني؛ لأنك لا تستطيع أن تضبط لسانك! ثمة قراصنة منتشرون بالخارج مستعدون أن يقتلوا أي فرد من أجل هذا الكنز، وقد يجازفون بأي شيء. لا بدّ أن نظل معًا إلى أن تجهز سفينتنا. سأمكث مع جيم هوكينز، لكن يجب ألا يبوح أي منا بكلمة واحدة عن هذا الأمر.» 



وبعدها قطع تريلوني وعدًا بأن يظل صامتًا كالقبر.

الجزء الثاني طباخ البحر ومغامرتي الأولى عند الشاطئ



الجزء الثاني


طباخ البحر ومغامرتي الأولى عند الشاطئ




الفصل السابع
جمع الطاقم



استغرق الاستعداد للرحلة وقتًا طويلًا، وكان لدى كل من الطبيب وتريلوني عمل يقوم به، ومكثت في الردهة تحت حراسة ريدروث، الحارس، أنتظر في شغف. أمضيت وقتي أدرس الخريطة وأخذت أتخيل ما ستكون عليه الرحلة؛ رحلة محفوفة بالمخاطر والأعداء ومليئة بحياكة الدسائس والمؤامرات. لكن بالطبع لم يكن شيء مما خِلتُ غريبًا ومأساويًّا كما كان الحال عندما بدأت الرحلة الفعلية. 

في أحد الأيام وصل خطاب موجه إلى الطبيب ليفزي وإليّ أنا شخصيًّا. فتحته وريدروث يقف إلى جانبي، وقرأته بتمعن؛ لقد عثر تريلوني على سفينة تُدعى «هيسبانيولا»، اشتراها من رجل يُدعى بلاندلي، وقد أقر أن هذا الرجل كان يتحدث في المدينة عن الكنز الذي سنبحر من أجله. وقد التقى مصادفة ببحار قديم عرض لضيق حاله أن يكون طباخ السفينة، وذكر أن بمقدوره أن يساعد في تجميع طاقم للسفينة. 

ذكر تريلوني في خطابه: «اسمه لونج جون سيلفر، وقد فقد إحدى ساقيه في سبيل الوطن، وهو لا يتقاضى معاشًا، لذا عينته على الفور، فهو رجل عظيم ونحن محظوظون لانضمامه إلينا!» 

علاوة على أن لونج جون سيلفر ساعده في اختيار طاقم عمل من أجل رحلتنا، من ضمنه رجل يُدعى أرو في وظيفة مساعد أول للقبطان. أنهى تريلوني خطابه بتعبيره عن شغفه الشديد بشأن رحلتنا البحرية، واقترح أن أقضي يومين مع والدتي قبل الرحيل. 

وجدتُ أمي بصحة جيدة، وسررتُ عندما رأيت أن تريلوني أصلح حانتنا وأعاد طلاءها، علاوة على أنه أرسل صبيًّا ليساعد أمي، وعندما رأيت أن هناك من حلّ محلي في حانتنا، بكيت؛ إذ لم يكن يسيطر على تفكيري طوال الفترة الماضية سوى المغامرات، والآن أدركت أنني كنت في حقيقة الأمر أبتعد عن بيتي. وفي الصباح التالي أخذت أفكر في الكابتن بيلي بونز وفي الطريقة التي كان يمشي بها على الشاطئ، وبعد قليل أصبحت حانة أدميرال بينبو بمنأى عن النظر. 

وبعد ذلك أخذنا العربة إلى بريستول، ورأيت رصيف الميناء ومراسي السفن مكانًا شديد الازدحام يعج بالضوضاء والحركة، تفوح منه رائحة القار والملح. وكان هناك بحارة يرتدون أقراطًا في آذانهم، وبحارة يضفرون شعورهم، وبحارة يسيرون مختالين كالطواويس، وظننت أنني سأصير الآن واحدًا منهم فابتهجت! وبعدئذ قابلنا تريلوني الذي كان يرتدي ملابس الأميرال البحرية بكامل حليها وأناقتها. 

صرخت: «سيدي، متى سنبحر؟» 

أجابني: «سنبحر غدًا.» 


الفصل الثامن
عند علامة تل سباي جلاس



بعد الإفطار، أرسلني تريلوني لمقابلة لونج جون سيلفر عند علامة تل سباي‏ جلاس، شققت طريقي إلى هناك، ووجدت خمارة تعج بأناس يشتغلون بالبحر يتحدثون بصوت مرتفع، وقلما توقفوا عن غنائهم وضحكاتهم، رأيت رجلًا مبتور الساق من الفخذ، فعرفت أنه بالتأكيد لونج جون سيلفر. 

وكان يحمل عكازًا ويقفز بسرعة رهيبة، يتهلل ويضحك وسط الزبائن. ولطالما كان يخالجني الشعور بالقلق من أن يكون هو نفسه الرجل ذا الساق الواحدة الذي كان الكابتن يخشاه بشدة، لكن الآن وبعد أن رأيته، وجدت أن الفرق شاسع بينه وبين بيو، والكابتن، وبلاك دوج. لذا دنوت منه وسلمته خطاب تريلوني، فصافحني الرجل بحفاوة وابتسم. 

قال الرجل بصوت مرتفع: «إذن أنت خادمنا الجديد!» 

وفجأة وثب رجل من مكانه واتجه صوب الشارع، فعرفت على الفور هذا الرجل من أصابعه المفقودة؛ فصرخت قائلًا لقد رأيت بلاك دوج الآن. 

ردّ سيلفر: «لا آبه من يكون هذا الرجل، سينال جزاء أفعاله الشريرة على كل حال.» ثم أرسل رجاله في أعقابه، ثم سألني عن الرجل وقال لي إن اسمه لم يرد على مسامعه قط. وبعدئذ أمسك بتلابيب الرجل الذي كان يتحدث إلى بلاك دوج، فاعترف بأن الرجل الكفيف المتسول كان يجلس في الحانة أيضًا، وأخبرنا أن اسمه … بيو! 

تحمس سيلفر حماسًا شديدًا بشأن تعقب بلاك دوج، وأكد لي أن «بن» رجله سيعثر عليه. 

قال سيلفر: «أكان يتحدث عن إلقاء شخص في البحر من على ظهر السفينة؟ إنه هو من سألقيه عن ظهر السفينة إلى البحر إذا واتتني الفرصة!» 

وفي الوقت الذي كان يصيح فيه مهددًا ومتوعدًا، أخذ يقفز بعكازه ويلعن بلاك دوج وأمثاله. ارتبت لرؤية بلاك دوج، لكن جون سيلفر أجاد إخفاء مشاعره. لقد كنت واثقًا تمام الثقة أنه رجل برئ، وقد كان بارعًا في إقناعي بهذا؛ وأخبرني كم يساوره القلق من أن أظن به السوء لاستضافته أمثال أولئك الرجال الوضيعين في خمارته، وقد أقنعني أنه لولا أنه وحيد القدم، لقبض على بلاك دوج بنفسه. 

وقررنا أن نبلغ السيد تريلوني على الفور، ونزلنا إلى الماء. وهناك كان يضحك، ويخبرني بقصص البحر القديمة، وشرح لي أنواع القوارب المختلفة وحمولتها والطريقة التي تُصنع بها، وقد كرر على مسامعي بعض الجمل حتى حفظتها عن ظهر قلب فصرت كالبحار المحنك، وبدأت أنظر إليه على أنه أفضل الملاحين جميعًا. 

وعندما وصلنا كان الطبيب ليفزي هناك، فأخبر سيلفر الرجلين القصة بطريقة مثيرة، وطلب تصديقي على ما رواه؛ فأومأت بالإيجاب على كل ما قاله، وعندما انتهينا شق طريقه عائدًا مرة أخرى إلى الخمارة، واتفقنا على أن نكون على ظهر السفينة في تمام الساعة الرابعة بعد الظهر. 

قال الطبيب: «حسنًا يا تريلوني، لا أثق كثيرًا في رأيك، لكن سيلفر رجل بارع!» ثم التفت إليّ وقال: «والآن يا جيم هوكينز، لنذهب لتفقد سفينتنا!» 


الفصل التاسع
الكابتن تساوره الشكوك



على الفور شققنا طريقنا إلى الميناء حيث ترسو سفينة «الهيسبانيولا» إلى جانب السفن العملاقة، وعندئذ التقينا السيد أرو، مساعد القبطان، الذي دعانا إلى إعادة النظر إليه أقراطُ أذنه وحوَلُ عينيه. وبعدها بوقت قصير التقينا الكابتن سموليت الذي طلب التحدث مباشرة إلى تريلوني والطبيب في كابينة تريلوني. 

قال تريلوني: «حسنًا كابتن سموليت، ما الذي تريد أن تقوله؟» 

عبس وجه الكابتن ورفض أن يُنمِّق كلامه؛ إذ كان رجلًا صريحًا. 

قال الكابتن: «لا أحب الرجال، كما لا أحب مساعد القبطان، هذا بالمختصر المفيد.» 

ولم يكن لديه أي شكاوى بشأن السفينة، لكنه مضى في حديثه يشرح أنه يظن أن الرجال يعرفون الكثير بشأن مسألة الكنز، ولا يصح أن يعرف أقل مما يعرفون عن الرحلة. 

– «لا أحب رحلات البحث عن الكنوز، وبالطبع لا أحب الرحلات التي يُخفى فيها شيء عني ويُخبر به ببغاء الطباخ الذي أفشى سر الكنز بالفعل. أرى الرحلة التي نحن مقبلون عليها محفوفة بالمخاطر.» 

واسترسل الرجل في التأفف من الكثير من الأمور الأخرى، وسأل هل لا نزال عازمين على المضي قدمًا في هذه الرحلة سعيًا وراء الكنز؟ 

أجاب تريلوني: «عزيمتنا كالحديد!» 

ردّ الكابتن: «حسنًا، إذن أقترح أن ننزع البارود من الأسلحة، كما أرجح أن ينام جميع رجالكم في نفس البقعة بجانب الكابينة، وأخيرًا أرجح عدم الإتيان على ذكر موضوع الكنز البتة، فالطاقم يعرف بالفعل مكان الجزيرة بالضبط.» 

أكد تريلوني أنه لم يخبر أحدًا بشأن الكنز على الإطلاق، وقد صدقناه. كما أكد أن الطاقم عرف بطريقة ما بشأن رحلتنا وغايتنا، الأمر الذي كان ينذر بالخطر. 

أضاف الكابتن: «لا أعرف من بحوزته الخريطة، لكني آمر بحفظها بعيدًا عن الجميع ولا سيما السيد أرو، وإلا فلن أقوم بهذه المهمة.» 

كان من الواضح أن الكابتن يخشى وقوع تمرد على متن السفينة، ولم يهدئ من روعه سوى كلمات الطبيب المطمئنة. أما السيد تريلوني فقد شعر بالاستياء والامتعاض تجاه الكابتن. 

قال الطبيب: «لقد سمعت ما قلت وسأنفذ ما طلبت، لكني أظن أنك خير من يقوم بهذه المهمة.» 

لم يبال الكابتن بهذا، وبعد قليل صعدنا على ظهر السفينة الرائعة لنتفقدها. وقد أروني فراشي المعلق، ومجموعات البارود والأسلحة، وعلى الفور تغيرت أماكن النوم. 

وصل سيلفر ورجلان آخران بعد فترة وجيزة، وقد حاولوا الاعتراض على التعديلات التي أجريناها، لكن الكابتن انتهرهم وأمرهم على نحو حاسم بالنزول إلى الجزء السفلي من المركب. 

قال الطبيب: «هذا رجل صالح يا كابتن.» 

لكن كان من الواضح أن الكابتن لا يريد أن يفصح عن رأيه في الطاقم بأكمله، فقد أمرني أنا الآخر بنبرة حادة أن أذهب إلى الجزء السفلي من المركب كي أساعد سيلفر، موضحًا أن كل الناس سواء على متن السفينة، فلا يوجد من هم أفضل من غيرهم. وأؤكد أنني كنت أمقته بشدة في ذلك الحين. 


الفصل العاشر
ما تناهى إلى مسامعي في برميل التفاح والأحداث اللاحقة



بدأنا رحلتنا في الليل، وكنت مرتاعًا من أحاديث البحر ومزاح الرجال الخاطف. وبينما كنا نعمل، رفع سيلفر عكازه كالعصا وبدأ يغني أغنية البحر السريعة الإيقاع: 

خمسة عشر رجلًا في صندوق كان لرجل ميت … ثم شاركه كل الطاقم في غناء لازمة الأغنية، 

يوو وو وو، وزجاجة رم! ومع أنني كنت في ذروة الحماس والإثارة، أرجعتني هذه الأغنية بالذاكرة إلى الوراء حيث الكابتن في حانتنا. وقبل أن أميز كلمات الأغنية التي كانت تُغنى بالإيقاع السريع، كنا بالفعل في طريقنا إلى جزيرة الكنز. كانت الرحلة طويلة، وسرعان ما أثبتت سفينة «الهيسبانيولا» قدراتها عندما أسرعت بنا في رحلتنا، لكن الأمر لم يكن مُسرًّا للسيد أرو الذي كان يُصاب بدوار البحر من وقت لآخر، ومع أن الطبيب كان يحاول الاعتناء به، فإنه كان يتعثر على ظهر السفينة معظم الوقت ويساعده الرجال في الإيواء إلى الفراش. وفي يوم من الأيام اختفى تمامًا. 

قال الكابتن سموليت: «حسنًا، هذا أفضل، لعله وقع من جانب السفينة. حمدًا لله!» وبعدها اضطر الكابتن للاستعاضة عنه بمساعد جديد له، فاستعان بإسرائيل هاندز، البحار العجوز الخبيث الذي كان صديقًا حميمًا لسيلفر. 

واتضح أن سيلفر نفسه بحار عظيم؛ فقد كان سريع الحركة، ومتقد الذكاء، وخدومًا، وقد أحبه الرجال حبًّا جمًّا، وكنت أمضي معظم وقتي في صحبته وصحبة ببغائه أساعده في الطبخ بمطبخ السفينة. 

قال سيلفر عن ببغائه: «لقد أطلقت عليه اسم الكابتن فلينت تيمنًا بالقرصان الشهير!» 

وعندها كان الببغاء يقول بصوت عالٍ: «عملات معدنية، عملات معدنية!» ويستمر في هذا إلى أن يغطي سيده القفص بخرقة من الشراع البالي، وعندئذ يخبرني سيلفر عن التاريخ العريق للببغاء والرحلات العديدة التي خاضها. وفي أثناء هذا تقاربنا حتى إنني ظننته أفضل الرجال وصديقًا حقيقيًّا. 

إبان ذلك كان كل من الكابتن سموليت وتريلوني يتجنب أحدهما الآخر. وكان حب السيد تريلوني للمغامرة وفرحه بكونه على متن السفينة سببا في كل ما يزعج الكابتن. من ناحية أخرى، أظنه أنه لم يمر على الطاقم وقت أيسر من هذا؛ إذ كانت هناك رياح مواتية، وطعام طيب للجميع، بل وكان هناك برميل كبير ممتلئ بالتفاح متاح للجميع في أي وقت ليأخذوا ما يحلو لهم من الثمر الحلو. 

وكان الكابتن يعتبر أن كل هذه الرفاهية تفسدنا، ولكن كما سترون سينفعنا برميل التفاح؛ فلولا هذا البرميل، ما كنا لنحصل على الإنذار، ولمتنا بطريقة شنيعة. 

وفي وقت متأخر من أحد الأيام، وبينما أخذت الشمس في المغيب، قررت أن أذهب وأحصل على تفاحة من البرميل، ولمّا وجدته يكاد يكون فارغًا، زحفت إلى داخله مباشرة كي أصل إلى قاعه. وما إن دخلت فيه وزحف الظلام حتى بدأت أشعر بالنعاس. 

وفجأة سمعت أصواتًا غير واضحة، وشعرت بجسد شخص يتكأ على البرميل، فعرفت أنه جسد سيلفر نفسه. ارتعدت فرائصي لدى سماع الكلمات القلائل الأولى فحسب، إذ أدركت الآن أن حياة الرجال القلائل الأمناء على متن المركب أمانة في عنقي. واستمر الهمس المرعب. 

استرسل سيلفر قائلًا: «كان فلنت هو الكابتن، وأنا الرئيس البحري، وكانت هذه هي الرحلة التي فقدت فيها ساقي، وفقد بيو عينيه، وكانت تلك السفينة غارقة في الدماء، ووصل بها الحد أنها صارت على مشارف الغرق بكل ما عليها من ذهب.» 

وبعد قليل سمعته يقص حكايات على أصغر عامل في المركب الذي كان يرتعد لدى سماع قصصه، وشعرت بالخزي لدى سماعي إياه يتملق الصبي بنفس الكلمات العذبة التي كان يتملقني بها، وعرفت حينها أنه كان يستغفلني، فامتلأت سخطًا وخزيًا. 

– «نحن المغامرون نحيا حياة مضطربة صعبة، لكننا نعود إلى الشاطئ محملين بمئات الجنيهات، وليس ببضع عملات معدنية. لقد بدأت مثلك وكونت ثروتي في البحر. وفي الوقت الحالي، باعت زوجتي خمارتي، وأخذتْ كل أموالي، وسنلتقي مرة أخرى يومًا ما، أنا واثق من هذا. وفي رحلاتنا كان البعض يخشى فلينت، والبعض الآخر يخشى بيو، لكن كان الجميع يخشون سيلفر. كان هذا شرُّ طاقم سفينة ذائع الصيت، إبليس نفسه كان يخشى أن يبحر معهم. وأؤكد لك أنني لست رجلًا مزهوًّا بنفسه، لكنك تكتسب الثقة بنفسك على متن سفينة جون القديمة.» 

كان من الجلي أن الصبي يخضع لسيلفر، وقد استمر سيلفر يداهنه ويلاطفه. ولمّا استرسل سيلفر يتحدث عن المغامرين سرعان ما أدركت أنه يقصد القراصنة، وأنه هو نفسه كان واحدًا منهم. وبعد مرور وقت قصير جاء إسرائيل، أحد أفراد الطاقم، واشترك في الحديث. 

قال إسرائيل: «انظرا ها هنا يا سيلفر أنت وديك، كم من الوقت سنمضي في الإبحار بعيدًا عن الشاطئ؟ أقسم أنه قد طفح الكيل وفاض من الكابتن سموليت!» 

عندئذ التفت سيلفر إليه وعنفه: «أتريد أن تهاجم وتقضي على الكابتن الذي في مقدوره أن يقود هذه السفينة إلى الكنز، كل هذا من أجل مضجع أفضل لتضع عليه رأسك الحقيرة! انتظر ولا تفعل أي شيء إلا بإشارة مني!» 

قال إسرائيل: «وماذا سنفعل «بهم» بعدئذ؟» 

أجاب سيلفر: «قررت أن نقتلهم، عندما أعيش حياتي ملكًا فيما بعد، لا أريد ناجين يتسببون في شنقي. والآن يا ديك، أذنت لك أن تحصل على تفاحة من هذا البرميل.» 

تجمدت في مكاني رعبًا لدى سماعي هذا، إذ عرفت أنه قد انتهى أمري. فكرت في الفرار، لكنني كنت خائر القوى. لكن إسرائيل أنقذ حياتي حينما قال إنه يشعر بالحماس لفكرة التمرد ويريد أن يأكل شيئًا مختلفًا هذا اليوم. ضحك سيلفر ضحكة خبيثة، أما إسرائيل فقد اتجه إلى أسفل السفينة. 

ثم ظهر القمر وسمعنا صياح الرجل المختص بالمراقبة عبر السفينة يقول: «ظهرت اليابسة!» 

وعلى الفور كان كل الرجال على سطح السفينة يحدقون عبر الضباب في وجهتنا. أصدر الكابتن أوامره، وسأل هل رأى أحد هذه الجزيرة من قبل. دوى صوت سيلفر عبر السفينة معلنًا أنه سبق له أن مكث هناك ذات مرة. وعندما سأله الكابتن أين نرسو بسفينتنا، أجابه سيلفر إجابات واضحة. 

قال سيلفر: «يطلقون عليها جزيرة سكيلتون وقد كانت مقر القراصنة في وقت من الأوقات، لكنها لم تعد كذلك. وهذا التل هو تل فور ماست، أما هذا التل الكبير فيطلقون عليه اسم سباي‏ جلاس (المنظار) إذ كانوا يستخدمونه نقطة مراقبة.» 

وعندئذ أخرج الكابتن خريطة لسيلفر كي يتحقق منها، وعندما مال القرصان إلى الأمام، رأيت سيماء الإحباط على وجهه، لأن هذه الخريطة كانت خريطة جديدة للجزيرة تخلو من علامات إكس الحمراء أو العلامات التي تقود إلى الكنز. ظل سيلفر يشير إلى المكان الذي قد يمكننا أن نرسي فيه، وأخذ يطري على الكابتن لأنه أوصلنا بسرعة كبيرة إلى وجهتنا. وكنت حينها مرتاعًا بشدة من سيلفر، وعندما دنا مني ارتعدت فرائصي. 

قال سيلفر: «ولدي جيم هوكينز، هذه بقعة جميلة، سأجهز لك الغداء وسنمضي وقت ما بعد الظهيرة معًا نستكشف الجزيرة، أذكر عندما كنت هنا وأنا شابًّا يافعًا.» 

بعدها ربت على كتفي في حين التفت أنا إلى الطبيب الذي أخبرته في عجالة أن ثمة شيئًا مزعجًا قد وقع، وعليه أن يجد عذرًا كي يجتمع بالكابتن والسيد تريلوني في الجزء السفلي من المركب ثم يناديني أنا أيضًا. ولم يهدر الوقت في شرح الأمر للكابتن الذي دعا كل العاملين إلى الجزء العلوي من السفينة. 

قال الكابتن: «أيها الغلمان، ها قد وصلنا الجزيرة التي كنا نبحر إليها، واحتفالًا بوصولنا سيقدم السيد تريلوني حصص طعام مضاعفة اليوم وغدًا لجميع البحارة على متن السفينة. والآن اسمحوا لنا أن ننزل الآن إلى الجزء السفلي من السفينة كي نحتفل نحن أيضًا.» 

شرب سيلفر نفسه، ذلك القرصان الخائن، نخب تريلوني والكابتن، وعندئذ اتجه الرجال الثلاثة إلى الجزء السفلي من السفينة ثم نادوني بعد وقت قصير كي أنضم إليهم. 

قال تريلوني: «حسنًا يا هوكينز، صارحنا بما لديك.» 

أخبرتهم بكل ما حدث، فأجلسوني، وربتوا على ظهري، وأخذوا يمتدحونني من أجل الأعمال الجيدة التي صنعتها. 

قال تريلوني: «لقد كنت أحمق.» لكن الكابتن سارع وجاهر بأنه هو نفسه انخدع بالعمل الجاد للطاقم، وأخذوا جميعهم يلعنون سيلفر لأنه خدعهم. وحان الوقت لفرز الرجال الذين لا يزالوا مخلصين على متن السفينة، فلم يتجاوز عددهم سبعة رجال. 

– «كل ما يمكننا فعله هو أن ننتظر إلى أن نعرف المخلصين من غيرهم. علينا أن ننتظر ونرى، هذا هو أفضل ما يمكننا فعله.» 

قال تريلوني: «هوكينز، أنا أضع جلَّ ثقتي فيك، وأيًّا كان ما ستكتشفه، فسيكون ذا أهمية قصوى لنا.» 

اجتاحني بعدها شعور بالهلع الشديد، فقد كان هناك ستة رجال (سبعة بي) مقابل تسعة عشر قرصانًا متوحشًا. 


الفصل الحادي عشر
بدء مغامرتي على الشاطئ



في صباح اليوم التالي، بدت الجزيرة مختلفة تمام الاختلاف؛ إذ كان يعلو غاباتها الرمادية المهيبة، وامتداداتها من الرمال الذهبية، وتلالها الثلاثة البارزة؛ تل سباي‏ جلاس، مما بث الخوف في نفسي. تمايلت السفينة وشعرت بدوار البحر والإعياء، وخلت أن مغامرتي قد دُمرت لأنني صرت الآن أكره مجرد التفكير في جزيرة الكنز. 

وطوال حر النهار اشتغلنا بلا انقطاع، لكن الطاقم فجأة بدا فظًّا وشرسًا، سيلفر وحده هو من حاول جاهدًا أن يجعلهم لا يبدون بهذه الصورة. وصار جليًّا لنا أن ثمة تمردًا علينا يوشك أن يحدث، ولمّا أخذنا نقترب من الخليج المزمع أن نرسو عنده، وكان يسود هناك صمت رهيب، كان الشيء الوحيد الذي بمقدورنا أن نسمعه هو صوت ارتطام الأمواج. وقد عرفنا نحن من تقابلنا الليلة المنصرمة في الجزء السفلي من السفينة أن مخاوف سيلفر هي أسوأ نذير. والتقينا مرة أخرى في الكابينة في محاولة لاختيار الحل الأفضل. 

قال الكابتن: «إذا أصدرت أمرًا واحدًا آخر، فسيحدث تمرد. وإذا لم أصدر، فسيدرك سيلفر أنني متراجع لأنني عرفت خطته، وعندئذ سيكون قد قُضي علينا.» 

قال تريلوني: «إذن ما الذي بمقدورنا أن نفعله؟» 

أجاب الكابتن: «أقترح إرسال الرجال إلى الشاطئ لقضاء وقت الأصيل، فإذا انحاز الجميع إلى جانب سيلفر، فلا بدّ أن نسيطر على السفينة، أما إذا لم يفعل أحد هذا، فسنتحكم في الكابينة فحسب. لكن إذا ذهب البعض — انتبهوا إلى كلامي — فسوف يعيدهم سيلفر خاضعين مرة أخرى كالحملان.» 

وعليه تقرر هذا، وأطلعنا هانتر، وجويس، وريدروث على خطتنا، وأعطينا كل واحد منهم مسدسًا. وصعد الكابتن إلى الجزء العلوي من السفينة وأعلن عن جولة حرة. 

اقترح الكابتن: «من منكم يحب أن يذهب إلى الشاطئ فليذهب، ولسوف أطلق النيران من البندقية قبل مغيب الشمس بنصف ساعة كي تعرفوا موعد العودة إلى السفينة.» 

وعندئذ قفز الرجال من السفينة وكأنهم سوف يعثرون على الكنز متى وطئت أرجلهم أرض الجزيرة، وانفرجت أساريرهم وصاروا مبتهجين. وسرعان ما نزل الكابتن إلى الجزء السفلي من المركب، وبالطبع نظم سيلفر الرجال وكأنه هو الكابتن الحقيقي لهم. 

وكان الرجال المخلصون الذين رافقوهم حمقى، أو ربما كانوا متكاسلين أو متبلدين؛ فقد تعمد معظمهم أن يضل الطريق كي يتحاشوا أعباء العمل. لكنه أمر مختلف أن يشتركوا في مؤامرة للاستيلاء على السفينة ويقتلون الأبرياء. في نهاية الأمر، ذهب ثلاثة عشر رجلًا إلى الشاطئ ومكث ستة رجال على متن السفينة. 

وعندئذ فقط سأصير إما رجلًا شجاعًا أو شخصًا أحمق، لا يمكنني أن أقرر، لكنني عزمت على أن أختبئ في أحد القوارب. ولم يكن القارب الذي نزلت فيه هو القارب الذي يوجد سيلفر على متنه، لكنه لمحني وأنا أتسلل خارج السفينة، فنادى اسمي أكثر من مرة. 

وعندما رسا قاربنا على الشاطئ أولًا، قفزت منه، وركضت نحو الأشجار، واختبأت في الغابة. وبدأت أندم على قراري، لكني عدوت وظللت أعدو إلى أن خارت قوايَ. 


الفصل الثاني عشر
رجل الجزيرة



كنت مرتاعًا لأنني حاولت التملص من سيلفر، وبدأت أستمتع باستكشاف الجزيرة التي كانت تعج بالأشياء الغريبة على الناظر، إذ كان بها ما يكفي ليثير خيال وفضول صبي في مثل عمري. وليتني كنت أستطيع أن أذكر كل هذا، لكن الألوان الزاهية الجديدة والمناظر الخلابة غمرت عقلي الصغير حينها. كنت سأقضي شهرًا كاملًا لأستوعب فقط كل النباتات والأشجار الغريبة التي صادفتني. وقد سرت عبر أراضي مستنقعات مليئة بشجر الصفصاف والأعشاب المائية (التي قرأت عنها في الإنجيل)، وأشجار قديمة الشكل كانت تنبت في المستنقعات. وكانت هناك بقعة رملية متعرجة تمتد مسافة ميل تقريبًا، وهناك يمكن للمرء رؤية أشجار الصنوبر وأشجار مجدولة تشبه أشجار البلوط يميزهما فقط اللون الضارب إلى الأرجواني. وكان يمكنني أن أرى على بعدٍ تلًّا ذا قمة شديدة الانحدار مغطاة بالصخور الوعرة التي تتوهج تحت أشعة الشمس الحامية. 

والآن بدأت أشعر وكأنني مكتشف بالفعل، لقد شعرت بالحرية والفرح الشديد، ناسيًا بعض الوقت المخاطر الكثيرة التي كانت تحدق بي، وكانت الجزيرة مهجورة تمامًا. وكنت قد تركت زملائي في السفينة ورائي، ولم يكن أمامي سوى بعض الطيور غير المألوفة لي وبعض المخلوقات الأخرى التي كانت تركض أو تطير لتحتمي مني. وكانت هناك سلاحف ظهورها كبيرة تشبه شكل أحواض الاستحمام المقلوبة، ونباتات مزهرة سحرية في حجمها وشكلها لا يراها المرء سوى في الأحلام. 

وفجأة سمعت صوت حفيف أوراق الشجر وسط الأعشاب المائية، إذ طارت بطة برية وهي تبطبط، وتبعتها بطة ثانية، وثالثة. وسرعان ما غطى سطح المستنقع كله سحابة كبيرة من الطيور التي تصرخ وتحوم في الهواء، فعرفت أنه لا بدّ أن يكون رفقائي في السفينة على مقربة، لذا عدوت بسرعة، ثم جثمت تحت أقرب شجرة بالقرب من المستنقع، وانتظرت صامتًا كالفأر. سمعت أصوات أناس، وميزت من بينها صوت سيلفر الذي أعرفه جيدًا. تجاوزت مخاوفي وزحفت مقتربًا أكثر كي أستطيع أن أتبين كلماتهم. 

– «أنت أغلى من الذهب في نظري، لهذا أحذرك، لا يمكنك أن تغير الخطة، ولكن يمكنك أن تنقذ حياتك فحسب بأن تنضم إلينا. هيا الآن يا توم، أخبرني ما الذي بمقدورهم أن يفعلوه بي إذا عرفوا أنني أخبرك بكل هذا الآن؟» 

رد توم: «يا سيلفر، لعلك تركت نفسك للضلال، أما أنا فلا؛ أنا أُفضل أن أفقد يدي على أن أنقلب ضد …» 

وفجأة سمعنا كلنا صرخة غضب، وبعدها صرخة طويلة مزعجة. ورنت أصداء الضوضاء في كل أنحاء جروف تل سباي‏ جلاس، وهاجت الطيور في فزع مرة أخرى، وعرفت أنها صرخة موت، ووثب توم على قدميه. 

سأل توم: «ما هذا؟» 

أجاب سيلفر: «هذا ألان.» 

صرخ توم: «ألان! لترقد روحه في سلام. أما أنت يا سيلفر، فلستَ صديقي، لعلى سأموت، لكن إذا مت، فسيكون هذا في سبيل الواجب. أنت الذي قتلت ألان، أليس كذلك؟ حسنًا، أتحداك أن تقتلني!» 

ثم همّ توم بالفرار، لكن سيلفر استعاد قوته، وعدّل من توازنه، ثم مال إلى الوراء وصوب عكازه، فضرب سنه منتصف ظهر توم الذي سقط صارخًا. ولم يتح لي أن أعرف هل أصابه إصابة خطيرة، وعلى الفور انقض سيلفر عليه رافعًا سكينه ثم طعنه سريعًا طعنتين موديًا بحياته. 

سمعت سيلفر يلهث، فأُصبت بدوار، لكني تمكنت من ألا أغيب عن الوعي عندما رأيته يمسح الدم عن سكينه، وكان المشهد بأكمله يدور في ذهني. وعندئذ أخرج سيلفر صفارة من جيبه ونفخ فيها مرتين. فعرفت أن بقية الرجال سيصلون سريعًا، وإذا كانوا قد قتلوا هذين الرجلين البريئين، ألن يقتلوني أنا أيضًا؟ وبدأت أزحف للوراء، وبينما كنت أفعل هذا، إذ بي أسمع صوت جوقة من المنشدين يدوي. 

التفت وركضت عبر الأدغال ودافعي الوحيد للركض هو الخوف. وكنت في حاجة إلى أن أعود إلى السفينة مع الرجال، لكن كيف لي أن أفعل هذا؟ وبينما أخذت أعيد التفكير في الأمر ثانية، أدركت أنهم سيقتلونني إن حاولت هذا. ودعت في صمت السفينة «هيسبانيولا»، والطبيب، وتريلوني، والكابتن. وعلمت أنه لم يعد بانتظاري سوى الموت جوعًا أو على أيدي المتمردين. 

وظللت أعدو عبر الأشجار حتى اقتربت من تل صغير، وهناك بينما كان قلبي يخفق بشدة، إذ بدوي إنذار يجمدني في مكاني. 

•••



فجأة لمحت طيفًا يتحرك فأدركت أنني لست وحدي، وقفت ساكنًا كالصنم عندما رأيته يركض ورائي، يكاد يكون منحنيًا، ولم أستطع أن أميز ما إذا كان رجلًا أم قردًا، واصلت العدو، لكن سرعان ما تذكرت أن بحوزتي مسدسًا، فاستدرت بخفة كي أواجه قاطن الجبال هذا، الذي خرج من بين الأشجار وسار باتجاهي. 

سألته: «من أنت؟» 

أجابني بصوت أجش من قلة الاستخدام: «بِن جان. أنا بن جان المسكين، وأنا لم أتحدث إلى إنسان طيلة ثلاث سنوات!» 

وتبين لي الآن أنه رجل مثلي، لكنه ملتحٍ، ومشقق الشفاه، لوَّحته الشمس، يرتدي أسمالًا بالية مصنوعة من الأشرعة القديمة للسفن. وسألته هل هو أحد الناجين من سفينة غارقة. 

أجابني: «لا، أنا منفي.» 

وكانت هذه الكلمة قد تناهت إلى مسامعي قبلًا، وعرفت أنها عقوبة شديدة تنزل بأحد المتهمين في جريمة فيُترك وحيدًا على إحدى الجزر المهجورة ليتدبر أمور حياته بنفسه. وعندئذ أخبرني كيف كان يتغذى على الماعز، والتوت، والمحار، ولطالما كان يحلم بأن يتناول الجبن مرة أخرى. 

قلت له: «حسنًا، إذا تمكنت من العودة على متن سفينتي مرة أخرى، فسيتحقق حلمك!» 

وعندئذ أخبرت بن باسمي. وهمس لي بن — وابتسامة عريضة بلهاء تعلو وجهه — بسرٍّ عظيم. 

همس بن: «يا جيم، أنا لست أملك شيئًا، لكنني ثري!» 

ومضى في حديثه يخبرني بأنه سيجعلني رجلًا ثريًّا أيضًا، وسألني سريعًا هل سفينتي هي سفينة فلينت. وسرعان ما وثقت فيه وأخبرته أن سفينتي ليست سفينة فلينت، وأن فلينت مات، لكن بعض أفراد طاقم سفينتي هم من رجال فلينت وأنهم متمردون وقتلة. 

قال بن لاهثًا: «أمن بينهم ذلك الرجل ذو الساق الواحدة؟» 

أجبت وأنا أراه يرتجف من شدة الرعب: «أجل، سيلفر هو زعيمهم.» 

وأخبرته في تلك اللحظة كل ما قد وقع. 

سألني بن: «هل تظن — لو أنا ساعدتكم — أن تريلوني سيضمني إلى رجاله ويمنحني ألف جنيه من المال؟» 

أجبته أنه سيفعل هذا بالطبع. عندئذ جاهرني بأنه هو نفسه كان من ضمن رجال فلينت الذين تركهم على متن السفينة عندما ذهب فلينت هو وستة رجال إلى الشاطئ ودفنوا الكنز. وقد قتل هؤلاء الرجال الستة بيديه بطريقة ما، ولم يخبر مخلوقًا قط على متن السفينة أين خبأ الكنز. وأولئك الذين سألوا عن موضع الكنز، أجابهم فلينت أنه بمقدورهم أن يمكثوا على الجزيرة ويحاولوا التفتيش عن الكنز، وبالطبع رفضوا. 

لكن بن المسكين عاد مع سفينة أخرى بعد مرور ثلاث سنوات، ولمّا رأى الجزيرة، أخبر طاقم السفينة أن بمقدوره العثور على الكنز. وبعد ثلاثة أيام من البحث المضني، أخذوا يلعنونه وتركوه وحده ليواجه مصيره، ولم يتركوا له سوى بندقية، وكريك مسطح، وجاروف. 

قال بن: «أخبرْ تريلوني أيضًا أنني سأكون مشغولًا بشيء آخر إن لم يعدني إلى الديار ويعطيني الجبن.» 

أجبته بأنني سأخبره بالفعل، لكن ما من سبيل الآن للعودة إلى السفينة. 

قال بن وهو يشير إلى خليج صغير: «حسنًا، عند الضرورة يمكننا أن نستخدم هذا القارب الصغير الذي صنعته بنفسي. وأنا أضعه إلى جانب صخرة بيضاء تقع في الأسفل تجاه الشاطئ.» 



وبعد ذلك سمعنا صوت إطلاق نار من مدفع، وطلقات نارية تدوي في الآفاق. وكانت الشمس لا تزال ترتفع في كبد السماء. وأدركت أن القتال على متن السفينة قد بدأ؛ فجذبني بن إلى أسفل بمنأى عن النظر، وعندئذ أشار باتجاه معين حيث يرفرف العلم الإنجليزي في الهواء الطلق.

الجزء الثالث الحصن



الجزء الثالث
الحصن




الفصل الثالث عشر
الطبيب يكمل سرد أحداث القصة



كيف هُجرت السفينة

عندما اتجه القاربان نحو الشاطئ في وقت ما بعد الظهيرة، جلست أنا (الطبيب)، والكابتن، وتريلوني نناقش كيف سنراقب المتمردين الستة الذين مكثوا على متن السفينة الذين كانوا يجلسون محاولين التواري. ونزل هانتر ليخبرنا أن جيم هوكينز قد اتجه إلى الشاطئ فانقبضت صدورنا. 

وتوصلنا إلى قرار، خشية على سلامته، وهو أن نتجه على الفور أنا وهانتر إلى الشاطئ لمزيد من الاستكشاف. واتجهنا مباشرة إلى الحصن الذي يظهر على الخريطة، فوجدناه مكانًا منيعًا حصينًا، به نبع مائي عذب وله سور مرتفع. فرأيناه مكانًا مناسبًا للدفاع. بعدها سمعنا صرخة رجل يحتضر، فظننا على الفور أن جيم هوكينز قُتل هذه المرة لا محالة. 

فرجعنا أدراجنا على الفور إلى السفينة، فوجدت وجه تريلوني شاحبًا كالورقة البيضاء، كما وجدت أحد العمال الستة شاحب الوجه أيضًا، فأخبرني الكابتن أنه يظن أن هذا العامل قد ينضم إلى صفوفنا، على الفور أوقفنا ريدروث في المطبخ الذي يقع ما بين الكابينة ومقدمة السفينة ممسكًا ببندقية محشوة بالبارود، وقرّب هانتر القارب الصغير من السفينة، ثم قمت أنا وجويس سريعًا بتحميله بالبارود، والبندقيات، والبسكويت، وبراميل لحم الخنزير، وصندوق الأدوية الخاص بي. أما على ظهر المركب، فقد أبقى الكابتن الطاقم تحت تهديد السلاح قائلًا: «سيد هاندز، هناك اثنان منا هنا سيطلقان النار على أول رجل يتحرك.» 

كان أفراد الطاقم مصدومين لكنهم اتجهوا سريعًا إلى الجزء السفلي من السفينة ليجدوا ريدروث بانتظارهم ممسكًا بأسلحته، فعادوا إلى أعلى مرة أخرى، خاضعين تحت تهديد سلاح الكابتن. في تلك الأثناء، كنا قد انتهينا من تحميل القارب وأبحرنا سريعًا نحو الشاطئ. 

وصلنا الحصن، وبعد أن تركنا جويس فيه للحراسة، أفرغنا فيه حمولتنا سريعًا بلا توقف، وعندئذ عدنا أدراجنا إلى سفينة الهيسبانيولا. وحملنا القوارب مرة أخرى بشحنة ثانية وتأهبنا للشروع في الإبحار صوب الشاطئ مرة أخرى. 

ومع ذلك كنا قد أخذنا أولًا قدر استطاعتنا من البنادق، وألقينا بالباقي من جانب السفينة إلى البحر، وأخذنا نشاهد البنادق وهي تغوص إلى القاع الرملي الرائق. وسمعنا أصواتًا تنادينا من الشاطئ فعلمنا أن ما لدينا من وقت قد نفد. وقبل أن نحمل كل شيء إلى القارب، كان الكابتن يوبخ الرجال الموجودين في الجزء السفلي من السفينة. 

«أنا أتكلم إليك يا إبراهام جراي، إني راحل، وآمرك أن تتبع قائدك، لا أظنك مثل بقية هؤلاء الرجال، أمنحك فرصة ثلاثين ثانية لتفكر في الانضمام إلينا، فلتأتِ في الحال، أجازف بحياتي وحياة أصدقائي هنا من أجلك.» 

وحالما انتهى من كلامه، سمعنا صوت شجار، وظهر جراي وعلى وجهه ندب من قطع سكين، ثم انطلق جراي نحو الكابتن. بعدها قفزنا إلى قاربنا وأبحرنا نحو الشاطئ. 

•••



عندما وصلنا إلى الشاطئ، وجدنا أن رحلتنا هذه المرة كانت أبطأ من سابقتها. كنا خمسة رجال، ومثقلين بأحمال كبيرة للغاية. ناهيك عن أن المدّ كان معاكسًا لنا، إذ كان من الممكن أن يغرق القارب ونغرق معه جميعنا. وفجأة نادى الكابتن علينا. 

صرخ الكابتن قائلًا: «المدفع!» 

وعندئذ فقط تذكرنا أن المدفع موضوع على متن السفينة، والذخيرة موضوعة على مرأى من الجميع في الجزء العلوي من السفينة. التفتنا لنرى القراصنة الخمسة يجهزون المدفع ليصوبوه نحونا، فارتعدت فرائصنا. 

صاح جراي: «لقد كان إسرائيل مدفعي فلينت.» فأدركنا عندئذ أن ثمة قذيفة رائعة في طريقها نحونا. 

فانتخب جميع الحضور تريلوني باعتباره أبرع رامٍ. فنهض تريلوني على حين غرة وصوب بندقيته نحو الهيسبانيولا. وبينما كان يصوب رأينا إسرائيل ينحني إلى أسفل، فسقط الرجل الذي يقف إلى وراءه. في تلك الأثناء سمعنا أصواتًا قادمة من ناحية الشاطئ، ورأينا رجالًا يخرجون من بين الأشجار يشيرون باتجاهنا، فاتجه البعض نحو القاربين والبعض الآخر كانوا يركضون باتجاه واحد، بينما اتجهنا نحن نحو نقطة يمكننا أن نهرب من عندها. 

حددنا هدفنا وكنا نختبئ من الرجال الذين يتعقبوننا، وأصبح أكبر شيء يخيفنا الآن هو المدفع الذي أخذوا يحشونه بالذخيرة سريعًا. ولم يعبئوا بالرجل الذي سقط من صفوفهم، وعندما انتهى تريلوني من إعادة حشو بندقيته، كان المدفع قيد الاستخدام. 

وبينما يسحب تريلوني الزناد إلى الوراء، إذ بهم يطلقون مدفعهم أيضًا، ودوى أعظم صوت قذيفة سمعها جيم هوكينز في كل حياته. وسمعنا صوت القذيفة المزعجة وراءنا، فوق رءوسنا بقليل. تأرجح القارب من عنف القذيفة فغاص الجزء الأمامي من القارب تحت الماء. 

وبالطبع تمكنا أنا وتريلوني من حفظ بنادقنا فوق الماء، وكنا نقف وسط المياه الضحلة، لكن معظم الرجال سقطوا في الماء مع بقية مؤننا، وفسدت بنادقهم، ووجدنا أنه لم يتبق معنا الآن سوى بندقيتين، وأن كل مؤننا قد راحت. وما عظّم من محنتنا، أننا سمعنا أصواتًا تدنو منا، وفي مثل تلك الحالة التي كنا نشعر فيها بالشلل التام، خشينا ألا نصل إلى مأوانا في الحصن. 

وبشق الأنفس اتجهنا بأقصى سرعة لنا نحو الشاطئ، وغرق القارب المعدم الذي يُلحق بالسفينة، ومعه نصف ما بحوزتنا من البارود والمؤن. 


الفصل الرابع عشر
الطبيب يواصل سرده للأحداث



انتهاء اليوم الأول للقتال

ركضنا الآن نحو الحصن، ومع كل خطوة كنا نسمع صوت دنو القراصنة منا. وفي الوقت الذي قصدنا فيه الأرض الخالية من الأشجار، مرر الكابتن بندقيته الجيدة إلى تريلوني الذي رفعها إلى كتفه وصوب. استدرت وأعطيت سيفي لجراي الذي يسعدني أن أقول إنه بصق على يديه، وأمسكه، وأخذ يلوح به في الهواء. لقد انضم إلى الجانب الصحيح. 

وكنا نتقدم نحو الحصن عندما ظهر بعض المتمردين، لقد توقفوا فجأة، وأخذنا أنا وتريلوني نطلق النيران، وكان هانتر وجويس يطلقان النيران أيضًا من داخل الحصن، فأردينا أحد الأعداء قتيلًا على إثر إصابته برصاصة في القلب. وتفرق البقية. 

وما إن بدأنا نشعر بالانتصار حتى سمعنا دوي طلقة سقط على إثرها توم ريدروث المسكين، وكان من الجلي أنه يحتضر، أما بقية المتمردين فقد تقهقروا، فحملنا ريدروث المسكين على ظهورنا إلى الحصن، وهناك بعدما طلبنا من تريلوني أن يتلو عليه الصلوات ويسأل له الغفران، مات. 

وعندئذ فرّغ الكابتن جيبه من الأشياء الكثيرة الصغيرة التي كان يحملها: قلم، وحبل، وحبر، وتبغ، ودفتر السفينة. ثم صعد إلى سقف الحصن وهناك ربط علم إنجلترا إلى قمة شجرة مقطوعة، كان قد جرها إلى أعلى بعناء شديد. وبعدما انتهى من هذا نزل إلى أسفل وسألني عن توقعي لعدد الأسابيع التي يمكن أن نمضيها قبل أن تأتي سفينة أخرى للعثور علينا في حال لم نعد من حيث أتينا. أجبته أنه من المحتمل أن نمضي شهورًا وليس أسابيع قبل أن تأتي سفينة أخرى. عندئذ قال الكابتن إننا لم نجلب المؤن الكافية. 

«من المؤسف أننا فقدنا الشحنة الثانية، نحن في ورطة بدونها.» 

في تلك اللحظة سمعنا قذيفة مدفع مرة أخرى، وسمعنا صوت القذيفة تضرب البقعة التي وراء الحصن، فأدركنا أنهم يحاولون إطلاق النار علينا، لكننا لم نشعر بالفزع. 

قال الكابتن: «استمر في القصف، لن تستطيع البتة أن تضربنا من مكانك، ولكنك ستصنع لنا معروفًا عندما تستنفد كل ما لديك من بارود.» 

وبعدئذ أطلق المدفع قذيفة أخرى بلا هدف. واستمر الحال على هذا المنوال طيلة المساء. وفي وقت لاحق من هذه الليلة، تبرع جراي وهانتر بالخروج في محاولة لإنقاذ المؤن من المياه الضحلة حيث تركها المدّ المنخفض على الرمال، الأمر الذي كان بلا جدوى؛ إذ وجدوا أن رجال سيلفر قد استولوا على معظمها بالفعل، وحاصروا بقيتها، وكان كل فرد يحمل بندقية جلبوها بلا شك من مخابئ خاصة بهم. 

أخذ الكابتن يدون حالتنا في دفتره: «ألكسندر سموليت: القبطان، وديفيد ليفزي: طبيب السفينة، وإبراهام جراي: معاون بحري، وجون تريلوني: مالك، وجون هانتر وريتشارد جويس: خادما المالك وفلاحان، هؤلاء هم جميع من تبقوا ومعهم مخزون من المؤن يكفي مدة عشرة أيام. أما توماس ريدروث فقد لقي مصرعه على إثر طلق ناري، وجيم هوكينز …» 

وفي الوقت الذي كاد ينتهي فيه من الكتابة، سمعنا صرخة سعادة، هرعت إلى الخارج في الوقت المناسب كي أرى جيم هوكينز في وافر الصحة والأمان، يتسلق سور الحصن. 


الفصل الخامس عشر
جيم يستأنف سرد القصة



حامية عسكرية في قلب الحصن

ما إن رأى بن العلم يتطاير حتى نبهني إلى أنني يمكنني أن أجد أصدقائي هناك، وظننت أن القراصنة هم الموجودون هناك، لكنه أخبرني أن القراصنة ما كانوا ليرفعوا علم بريطانيا وإنما علم القراصنة المرعب، ذلك العلم الأسود المشهور الذي يحمل جمجمة عليها عظمتان متقاطعتان مطبوعتان باللون الأبيض. 

قال بن: «هذا المكان بناه فلينت نفسه، الذي لم يكن يخشى أي مخلوق سوى لونج جون سيلفر!» 

أجبته: «حسنًا، لنذهب إلى هناك قبل أن يعثر سيلفر علينا!» 

لكن بن الذي لم يكن يثق في إنسان، قرر ألا يذهب. وجعلني أقسم له أن أرسل إليه أحد أفراد معسكرنا غدًا للقائه؛ فلديه اقتراح لنا. وقد أصر أنه لا بدّ أن يأتي أحدنا رافعًا بيده منديلًا أبيض من أجل دواعي الحيطة والحذر. 

وأضاف بن قائلًا: «وإذا وقعت في يد سيلفر، لا تدعه يعرف أن بن جان موجود في هذه الجزيرة. فستكون هذه أخرتنا!» 

وعدته بأنني لن أفعل هذا، وفي تلك اللحظة، وقعت إلى جانبنا مباشرة قذيفة مدفع فرقتنا، وركض كل منا في طريقه. استمرت القذائف، وكنت على يقين من أنهم يطاردونني. وبعد قليل وصلت إلى أرض فضاء ورأيت أن الهيسبانيولا بعيدة عن الشاطئ ويرفرف عليها علم القراصنة. 

ورأيت أيضًا ما الذي كان القراصنة على الشاطئ يفعلونه؛ لقد كانوا يفصلون أجزاء القارب الذي يُلحق بالسفينة ويلقون بالخشب في النيران المستعرة. وكان أولئك الرجال، الذين كانوا مكتئبين بشدة في إحدى المرات وهم يجدّفون بالقوارب الخفيفة جيئة وذهابًا إلى السفينة، يصفقون ويتشدقون بالأغاني ويبدون مثل الحمقى والسفهاء. وكدت أشعر بالأسف على الرجال الذين يتصرفون كالحيوانات المتوحشة. 

ورأيت أن هذا الوقت مناسب كي أشق طريقي نحو الحصن، وبينما كنت في طريقي، إذ بي أتعثر بالصخرة البيضاء التي يخفي بن قاربه عندها، وحفظت الأمر في قلبي تحسبًا لاحتياجه في وقت لاحق، وواصلت مسيري وتسلقت سور الحصن واتجهت إلى زمرة أصدقائي. 

وعلى الفور أخبرتهم بما جرى معي، ثم أخذت أتحقق من الحصن، فوجدته يفي بالغرض، لكنه كان مليئًا بالدخان من النيران التي كنا نشعلها، ناهيك عن أن جراي المسكين كان معصوبًا من جرّاء الطعنة التي تلقاها في وجهه، وكانت جثة ريدروث المسكين ترقد باردة في أحد أركان الغرفة. 

لكن الكابتن بحكمته جعل كلًّا منا ينهمك في بعض المهام؛ نجمع الحطب، ونحفر قبرًا من أجل ريدروث. وتحدثت إلى الطبيب بشأن بن، فقال لي أن لديه شيئًا مميزًا من أجله. 

«لدي في منديلي قطعة من الجبن المطبوخ المستوردة من إيطاليا، وسنعطيها له.» 

وعقدنا اجتماعًا، ولما أحصينا عدد المتمردين المتبقين وجدناهم خمسة عشر متمردًا فحسب؛ اثنان منهم مصابان، وواحد أصابته المدفعية ومات على الأرجح. وأدركنا أن الجو والبعوض سرعان ما سيتركان أثرهما في الباقين منهم، وقد يمرضون بعد قليل ويصيرون في حالة مزرية. 

قال الطبيب: «قد يقررون ببساطة الرجوع في السفينة ويرحلون ويعودون لمزاولة القرصنة.» 

دمدم الكابتن، لكنه سرعان ما أدرك أن فقدان سفينته الأولى قد يكون أفضل شيء يحدث لنا. 

فجأة، سمعنا صوتًا يرتفع. 

«هناك علم هدنة! إنه سيلفر نفسه!» 

فركت عيناي وهرعت إلى كوة الجدار لأحدق عبرها. 

•••



رأينا رجلين، أحدهما سيلفر الذي كان يلوح براية بيضاء. 

قال الكابتن: «من هناك؟» 

أجاب سيلفر: «إنني أطالب بالهدنة، سأصعد أنا الكابتن عندك لنصل إلى اتفاق.» 

تأفف الكابتن من سيلفر الذي يدعو نفسه كابتن، ومع ذلك وعد بألا يؤذي سيلفر إن جاء إلى هذا الحصن غير مسلح. قفز سيلفر فوق السور، وقد شق طريقه ببطء وصعوبة، فوق التل باتجاهنا. وكان سيلفر يرتدي السترة الزرقاء، أبهى حلله، وقبعة مزخرفة طرفها في مؤخرة رأسه. 

وعندما دخل الحصن لم يسمح له الكابتن بذلك، وأُجبر سيلفر على أن يمكث في الرمال على الجانب المقابل من الكابتن. 

قال سيلفر: «إنه صباح قارص البرودة يا سيدي على أن أجلس على الرمال في الخارج.» 

لم يكترث الكابتن لكلامه مخبرًا سيلفر بأنه هو من جلب على نفسه هذا. 

«أنت إما طباخ السفينة، أو الكابتن سيلفر وفي هذه الحالة أنت متمرد وقرصان ويمكن أن تُشنق!» 

رأى سيلفر كيف أن كل واحد منا يضطلع بحماية أحد أركان الحصن وقد حيانا جميعًا، وعندئذ أشار إلى أن الكابتن قد قتل أحد رجاله في الليل عندما كانوا يقضون وقتًا طيبًا معًا. طار قلبي فرحًا إذ أدركت أن هذا صنيع صديقي الجديد بن جان. 

قال سيلفر: «حسنًا، على كل حال نحن نريد الكنز. وأنتم تريدون النجاة بحياتكم؛ وأنتم لديكم الخريطة، والآن لا أنوي أن أؤذيكم …» 

عندئذ ثار ثائرة الكابتن، وأخبر سيلفر أنه يعرف خطته بالكامل، ويرفض أن يلبي له أي مطلب. 

حدق كل منهما في عيني الآخر دون أن ينبس ببنت شفة، وكان الأمر أشبه بمشاهدة مسرحية على المسرح. 

تكلم سيلفر بعد لحظات: «أعطنا الخريطة وسيكون أمامك اختيار من اثنين: إما أن نأخذكم معنا ونعود بكم ونترككم في مكان آمن، أو يمكنكم المكوث هنا وسنعطيكم نصف مخزوننا من المؤن، وهذا كرم مني.» 

قال الكابتن: «هل هذا كل ما لديك؟ إن كان الأمر كذلك، اسمعني أنت، إليك ما لدي، إذا جئتم إليَّ فردًا فردًا غير مسلحين، فلسوف أكبل كل واحد منكم وستخضعون لمحاكمة عادلة، وإذا لم تأتوا فلسوف أراكم جميعًا غرقى في قاع البحر. لن تعثروا على الكنز. كما لا يمكنكم أن تبحروا بالسفينة، وهذه آخر الكلمات الطيبة التي تسمعونها مني، وبعدها ستتلقى طلقة في ظهرك. والآن اغرب عن وجهي.» 

قال سيلفر بصوت مرتفع: «حسنًا، دعنا نتصافح للتصديق على ما توصلنا إليه.» 

أجاب الكابتن: «أرفض هذا رفضًا تامًا.» ورفضنا نحن أيضًا بدورنا. 

فزحف سيلفر إلى الخارج، وعندما خرج بصق في نبع مياهنا العذب. 

قال سيلفر: «هذا هو رأيي فيك! اضحك كيفما شئت الآن، وستندم بعد ساعة من الآن. محظوظ من سيموت!» وقد شق طريقه نحو السور وهو يصرخ بهذا ويلعن، حيث جره رجاله إلى الجانب الآخر. 


الفصل السادس عشر
الهجوم



ما إن اختفى سيلفر، حتى التفت إلينا الكابتن وعنفنا بضرواة لتركنا مواقعنا، ولم ينج من هذا التوبيخ سوى جراي الذي ظل مكانه. وعندئذ حشونا بنادقنا وتأهبنا للآتي. 

قال الكابتن: «لست في حاجة لأخبركم بالآتي. هم يفوقوننا عددًا لكننا باستطاعتنا أن نحارب لو اتبعنا خطتنا.» 

انتعش كل فرد فينا باحتساء كوب ماء بارد من نبعنا، وصرنا على أهبة الاستعداد. وأطفأنا النيران لكن الدخان لا يزال يتراقص في الهواء. واتخذ كل منا موقعه، وعندئذ سأل جويس، الخادم، إن كان من المفترض أن يطلق النيران لدى رؤية أحد الرجال. 

صرخ الكابتن: «قطعًا.» وبعدها جلس منتظرًا مستشيطًا غضبًا. ودون أن يهدر جويس أي وقت، أطلق النيران صوب الغابة، وجرى الرّد على ذلك بثلاث طلقات. 

سأل الكابتن: «هل أصبته؟» 

أجاب جويس: «لا يا سيدي، لا أظن ذلك.» 

ومنذ تلك اللحظة لم ينقطع الهجوم المتواصل. وظهرت مجموعة من القراصنة تخرج من الغابة متجهة صوب سورنا مباشرة، واحتشدوا فوق السور كالقرود، فأطلقنا جميعًا النيران، فسقط منهم ثلاثة رجال، وقفز رجل خفيف الحركة ثم اختفى، واخترق أربعة رجال السور، وواصل سبعة رجال أو ثمانية التصويب نحونا دون أن يحدثوا تأثيرًا يُذكر، إذ كانت تصويباتهم تعجز عن الوصول إلينا. 

لكن سرعان ما داهمنا القراصنة الأربعة بضراوة، وانقلب وضعنا جميعًا، فبعدما كنا نغطي المكان تغطية آمنة، صارت ظهورنا مكشوفة؛ إذ كانت هناك هجمات نارية في كل الأرجاء، وتأوهات، ولعنات، ودعانا الكابتن إلى أن نستل سيوفنا ونحارب وجهًا لوجه وسط السحابة الدخانية. 

أحكمت قبضتي على سيفي فأصيبت أصابعي، ورأيت أحد القراصنة يمسك ببندقية هانتر ويضربه بها ضربة عنيفة، ورأيت الطبيب يصيب أحد المتمردين بجرح في وجهه، وسمعت الكابتن يتأوه تأوهات الإصابة. 

التفتُ لأجد القرصان أندرسون يداهمني شاهرًا سيفه، لم يكن لدي متسع من الوقت حتى أشعر بالخوف، إذ فقدت توازني، وسقطت من أعلى التل مباشرة. وعندما استقررت على الأرض، رأيت أحد القراصنة يقفز من على السور وخنجره في فمه. وفجأة انتهى القتال. 

ضرب جراي أحد القراصنة بسيفه، ومات آخر رميًا بالرصاص لدى اقتحامه المبنى، وثالث مات على يد الطبيب. وكان الرابع يلوذ بالفرار الآن من فوق السور. 

صرخ الطبيب فينا جميعًا بصوت مرتفع كي نطلق النيران، لكننا لم نعد قادرين على المضي قدمًا في القتال. وفجأة بعدما ولوا جميعهم الأدبار، شاهدت خسائرنا؛ كان هانتر مرميًّا على الأرض فاقدًا الوعي، وجويس ميتًا إثر إصابته بطلق ناري في رأسه، وتريلوني ممسكًا بالكابتن الشاحب الوجه. 

قال السيد تريلوني: «الكابتن جريح!» 

سأل الكابتن: «كم قرصانًا قتلنا؟» 

أجاب الطبيب: «خمسة.» 

بالكاد شعر الكابتن بالرضا بما أنجزناه. 



قال الكابتن: «حسنًا، الآن تبدو فرصنا في النجاح واعدة، فقد ارتفع عدد القتلى من أربعة إلى تسعة. وكنا نحن سبعة في مقابل تسعة عشر من قبل.»

الجزء الرابع مغامرتي البحرية



الجزء الرابع
مغامرتي البحرية




الفصل السابع عشر
كيف بدأت مغامرتي البحرية



لم يعد المتمردون مرة أخرى في هذا اليوم؛ إذ حصلوا على كفايتهم من القتال هذا اليوم. وفيما يخصنا، لم يتعاف هانتر ومات في هذه الليلة من جرحه. وجُرح الكابتن سموليت جرحًا غائرًا لكنه لن يترك أثرًا، فقد اخترقت الطلقة كتفه وجرحت رئته. وقد كُتبت له النجاة، لكنه كان يخضع لأوامر الطبيب الذي أمره بالراحة التامة وعدم الحركة. 

وبعد الظهر مباشرة، عندما كان الساحل خاليًا من الأعداء تمامًا، ارتدى الطبيب الحزام الذي يحمل مسدسه وخرج في هدوء للقاء بن جان. ورأى جراي أن خروجه في ظل الظروف الراهنة يعد جنونًا. 

في تلك الأثناء أخذت أفكر في أن هذا جور مني أن أجلس وأترقب ما يحدث؛ فتسللت إلى الخارج، وملأت جيوبي بالبسكويت، وشرعت في مهمتي. لقد قررت أن أذهب لأتأكد من وجود قارب بن وأتفقد حالته، وسلحت نفسي بمسدسات وبارود وتسللت خارجًا. وكانت حماقة مني أن أفعل ذلك، لكني كنت غرًّا. ولكن اتضح فيما بعد أن هذا ساعد في إنقاذ حياتنا جميعًا. 

أسرعت بطول الشاطئ نحو الصخرة البيضاء، وعندئذ رأيت السفينة تتمايل وسط الأمواج في نفس المكان، وكان علم القراصنة لا يزال يرفرف. ورأيت سيلفر والقرصان الذي رأيته آخر مرة آتيًا عبر السور، عائدين إلى الشاطئ بالقارب. وسمعت قهقهة ببغائه تحملها الرياح، فأسرعت نحو الصخرة البيضاء. 

وكان القارب مخفيًّا جيدًا تحتها، وكان هذا القارب هو أبسط وأخف قارب بدائي، وبدا وكأنه قد صنعه رجال منذ مئات السنين، لكنه كان خفيفًا ومن ثم سيطفو على وجه المياه. 

وسرعان ما راودتني فكرة أخرى لم أستطع التخلص منها؛ لقد فكرت في أن أبحر بالقارب تحت جنح الليل وأتجه إلى الهيسبانيولا، وعندئذ سأفك السفينة وأدعها تذهب في الليل إلى شاطئ آخر في خليج صغير آخر. لقد ظننت أن هذا قد يمنع القراصنة من السفر عبر البحار للقتل من جديد. وظننت أن هذا سيسهل عليّ لأنهم كانوا مهملين وغير منتبهين. 

انتظرت حتى أرخى الليل سدوله وحلّ الضباب، وتناولت البسكويت الذي معي، وعندئذ حملت قاربي الخفيف إلى الماء. وفي الظلام رأيت أنه لم يكن هناك سوى ضوءين؛ أحدهما كان للنيران التي يشعلها القراصنة المهزومون المنتشرون على طول الشاطئ، والآخر للهيسبانيولا. وضعت قاربي في البحر وأبحرت نحو الهيسبانيولا. 

•••



تقدمت بقاربي الجديد عبر الأمواج وتمكنت من أن أدنو من الهيسبانيولا. واستغرقت بعض الوقت حتى أعتاد القارب، لكنه كان قاربًا صلب البنية وخفيفًا في الماء. وقبضت على الحبل الضخم الذي يثبت السفينة الذي يُطلق عليه اسم «الهوسر»، وكان قويًّا ومشدودًا، وكنت أعرف أنه بقطع هذا الحبل ستهيم الهيسبانيولا على وجهها في الماء. 

وكنت أعلم أيضًا أن حبل الهوسر الضخم المشدود بإحكام من الممكن أن يتحرك بردة فعل عنيفة ويقتلني بقوته إذا قطعته مرة واحدة، لذا بدأت أقطعه بالتدريج خيطًا خيطًا. وبينما كنت أقطع الخيط الأخير، إذ به ينزلق تحت الماء. 

وكانت تتناهى إلى مسامعي بعض الأصوات المرتفعة القادمة من الكابينة، والآن أخذت أميز أنها أصوات عراك على ظهر المركب، وأخذت الأصوات الغاضبة تعلو أكثر فأكثر. وعرفت أنها صوت إسرائيل هاندز وقرصان آخر، ذلك القرصان الذي كان يضع نصل الخنجر بين أسنانه الذي حاول أن يتسلق السور. لقد سمعتهما يتبادلان السباب بألفاظ بذيئة، ثم ساد الصمت لحظة. وكانت تتناهى إلى مسامعي أيضًا أصوات المتمردين على الشاطئ الذين كانوا يتغنون بأصوات مزعجة. 

أخيرًا هبت ريح خفيفة وتمايلت السفينة وأخذت تتحرك بعيدًا، وفجأة إذ بي أجد نفسي أنجرف في أعقاب السفينة الكبيرة، وخلت أن قاربي قد يتحطم، لكن لم يحدث هذا، لا أعرف كيف! والآن قررت أن أرفع نفسي إلى أعلى لألقي نظرة على ما يحدث بداخل الكابينة، ورأيت الرجلين يتصارعان بضراوة، وكل منهما يمسك بتلابيب الآخر، فجثمت إلى أسفل بسرعة وأغمضت عينيّ بإحكام. 

وسمعت المزيد من الغناء القادم من جهة الشاطئ: 

خمسة عشر رجلًا في صندوق كان لرجل ميت …يوو وو وو، وزجاجة رم!اشرب وسيتولى إبليس باقي الأمر … يو وو وو، وزجاجة رم! فجأة شعرت بأن سرعة القارب قد ازدادت، وفتحت عيني لأجدنا نسرع بعيدًا عن الشاطئ. وكانت نيران المخيم ورائي مباشرة، وكنا نتحرك في مسار جديد، وكنا نتجه نحو عرض البحر، ورأيت السفينة وهي تتمايل على جانبيها، وفطن البحاران بداخلها إلى أنهما في خطر داهم، فتوقفا عن القتال، وأدركا أن ثمة كارثة تحدق بهما. 

انبطحت في قاع قاربي الصغير، مغمض العينين مرتجفًا من فرط الخوف. وترقبت أن أموت غرقًا في قاع البحر ما بين لحظة وأخرى، متخيلًا نفسي أغرق تحت الأمواج العاتية. وبعد قليل بدأت أفقد الحس وأشعر بالإنهاك، ورحت في سبات عميق أحلم بالمنزل وبحانة الأدميرال بينبو بعيدًا عن هلعي في البحر. 


الفصل الثامن عشر
رحلتي البحرية في الزورق الصغير



عندما استيقظت من غفلتي كان قاربي الصغير يندفع بشدة نحو الطرف الجنوبي من جزيرة الكنز، وكنت متعبًا من شدة الظمأ، ووجدت نفسي أدخل وأخرج من أمواج عاتية تتقاذفني جيئة وذهابًا بلا توقف. 

ولم يكن بمقدوري أن أجدف، ووجدت أنني إما سأغرق أو أتحطم على الصخور الحادة إن اقتربت من الشاطئ. ورأيت ما يشبه الحيوان الرخوي الضخم على الصخور، وعرفت فيما بعد أن هذا الحيوان كان أسد البحر يجلس في الشمس. 

وأدركت أنني لن أستطيع الاتجاه نحو الشاطئ وأنني كنت اتجه شمالًا نحو مرسى منطقة وودز. وظننت أنه ربما بمقدوري أن أرسو هناك، وكنت لا أزال أسير وسط الأمواج عندما أدركت أنني لو جعلت القارب يسير وحده مع الأمواج، فسأحرز تقدمًا. تحرك القارب فوق الأمواج كورقة الشجر، وظننت أنني قد أصل إلى اليابسة، لكن ذلك لم يقدر لي. 

ولمّا كنت أتقلب في الشمس الحارقة، حيث كان رأسي يحترق وقد جفّ حلقي، انجرفت إلى ما بعد البقعة التي يرسو عندها القارب. ترى ما الذي كان يجدر بي فعله؟ 

وبينما كنت أدور حول الرأس التالي، إذ بالهيسبانيولا تتجه بكامل سرعتها نحوي. في بادئ الأمر ظننتها ستتجه في الاتجاه الآخر، وعندئذ ظننت أن البحارين قد أفاقا من نومهما الثقيل وهما يتعقبانني الآن. وعندما تحركت السفينة حركة غريبة أخرى، ارتبكتُ وشُل ذهني عن التفكير. 

وعندما رأيت السفينة العملاقة تتقاذفها الأمواج، أدركت أنه لا أحد يقودها؛ فإما أن الرجلين عمدا إلى الاختباء على سطح السفينة أو أنهما هجرا السفينة، وعندئذ خطر ببالي أن أحاول أخذ السفينة وأردها إلى قبطانها. 

أيُعقل هذا؟ أيمكنني أن أصعد على متن السفينة وأقودها وأعود بها؟ ماذا لو أن القرصانين المرتعدين كانا لا يزالان على متنها، هل بمقدوري أن أوثقهما، وأتولى دفة السفينة؟ تحمست للفكرة، وحاولت أن أشق طريقي نحو السفينة استمرت في الإبحار نحوي وكانت الأمواج تتقاذفها والرياح تعصف بها. 

اقتربت من جانب المركب، ووجدت أنه ليس لدي سوى فرصة واحدة، وكنت أستطيع أن أرى معدات السفينة المصنوعة من النحاس اللامع، وظننت أن الأمر قد يكون يسيرًا. لكن الرياح توقفت وظلت السفينة في مكانها. وعلى حين غرة، أخذت السفينة تدور وهي متجهة نحوي، وكانت نافذة الكابينة لا تزال مفتوحة. اقتربت السفينة، ورأيت أنها قد تلف حولي، وأن عمود مقدمة السفينة، الذي هو عارضة خشبية تنتأ من مقدمة السفينة؛ سيكون فوق رأسي. قفزت كالصاروخ من القارب إلى الهواء ممسكًا بالعمود، وفجأة ارتفعت السفينة إلى أعلى ثم هبطت إلى أسفل على قاربي الصغير محطمة إياه، وأدركت عندئذ أنه لا سبيل للعودة إلى الوطن إلا عن طريق الهيسبانيولا. 


الفصل التاسع عشر
نكست علم القراصنة وجعلت إسرائيل هاندز يساعدني في ذلك



تأرجحت وأنا معلق في عمود السفينة، وأدركت أنني لا بدّ أن أنطرح في البحر، وكانت ضربات قلبي تتسارع بشدة عندما زحفت عائدًا إلى ظهر السفينة، ووقعت عيناي على منظر مفجع ومحبط؛ إذ كان الطين يغطي كل الأرجاء مكونًا طبقة جافة، وكانت هناك زجاجة مكسورة تتدحرج في أرضية السفينة جيئة وذهابًا. ووجدت أن كل الأشرعة مرفوعة، لكن الحارسين يرقدان على كومة على سطح السفينة. 

رأيت إسرائيل والبحار الآخر يتدحرجان مع الرياح، ومع أن إسرائيل كان يتحرك، إلا أن الآخر كان يرقد على ظهره ثابتًا كالصنم، وتعلو وجهه ابتسامة مريعة؛ لقد كان غارقًا في بحيرة من الدماء. وفجأة بدأ إسرائيل يتأوه وينقلب، ورأيته مجروحًا وينزف. سرت بتؤدة نحو جسده ونظرت إليه من أعلى. 

قلت في سخرية: «أفق يا مستر هاندز.» 

وعندئذ انقلب هاندز وطلب شيئًا ليشربه إذ كان يشعر بظمأ شديد، وأدركت عندئذ أنه يستطيع القيام بنفسه، ولم يكن لدي وقت لأهدره، فأسرعت إلى الجزء السفلي من السفينة لأجد كل شيء مدمرًا؛ الطين والزجاج المكسور في كل الأرجاء، والكتب مفتوحة، والمخزون من المؤن مبعثر على نحو عشوائي. وفي الضوء الباهت أخذت أبحث عن طعام وبرميل ماء، فعثرت على بسكويت، وفاكهة محفوظة، وزبيب، وبعض الجبن. فأحضرت هذا إلى الجزء العلوي من السفينة، وبعدما تناولت وشربت كفايتي، أعطيت لهاندز بعض الجبن والبسكويت، بالإضافة إلى بعض الماء ليشرب. 

سألته: «هل تشعر بالألم الشديد؟» 

أومأ برأسه وتأوه وقال: «لقد مات. والآن، من أين جئت؟» 

«لقد جئت لأرجع بالسفينة، وستدعونني الكابتن حتى إشعار آخر.» 

نظر إليّ شزرًا، ولم ينبس ببنت شفة. وأخبرته أنني سوف أنكس علم القراصنة ثم صعدت وفككت العلم في سعادة. 

قلت: «هناك آخرة لسيلفر.» 

قال هاندز: «حسنًا، أنا وهذا الرجل كنا ننوي أن نعود بالسفينة، والآن مات هذا الرجل ونحتاج إلى رجلين للإبحار بها، لذا أقترح أن تحضر لي منديلًا كي أربط به رجلي النازفة، وسأساعدك في العودة بها. 

أجبته: «لست أحمق، لن أعود إلى خليج كيد حيث يكون سيلفر.» 

– «حسنًا، ليس أمامي خيار الآن، أليس كذلك؟ إنها سفينتك الآن، وأنا مجروح، لذا سوف أبحر أينما تريد، أقسم لك!» 

وعندئذ عقدنا اتفاقًا، وقد ربطت جرحه ثم تناول هاندز قدرًا يسيرًا من الطعام، ثم بدأنا نبحر بالسفينة لنعود بها إلى الشاطئ. وبعد قليل كنا في طريقنا، ولكن حينما أخذ يستعيد قوته، رأيت نظرته المنكسرة تتحول إلى سخرية. ثم بدأ يراقبني بمكر عن كثب وهو يحدق إليّ وأنا أعمل. 

•••



والآن شققنا طريقنا أنا وهاندز تحت إرشاده عبر المياه المزبدة في عرض البحر في سفينة الهيسبانيولا. وتوقفنا مرة أخرى بعد قليل لتناول وجبة أخرى، وبدأنا نتحدث. 

قال هاندز: «حسنًا أيها الكابتن، أتساءل هل بمقدورك أن تنزل إلى أسفل وتحضر لي المنظار؛ فهاتان العينان الكليلتان تحتاجان إلى بعض المساعدة في ضبط مسارنا.» 

حول نظره عني ونظر نحو البحر، وكان من الجلي أنه ينوي أن يفعل شيئًا ما خلسة، ويريدني أن أبتعد عن سطح السفينة، لكنني فكرت أنه ربما يكون بمقدوري أن أفوقه حيلة. 

قلت له: «بالطبع، لن يستغرق هذا مني سوى لحظة واحدة.» 

وبعدها أسرعت إلى أسفل، وخلعت نعلي، واقتربت منه عن طريق ممر آخر حيث يتسنى لي رؤيته دون أن يراني، فرأيته وقد دبت الروح فيه، وأخذ يزحف بعناء نحو الرجل الميت، وانتزع من جسده سكينًا، ومسح الدم عنه، ثم دسه في كمه وزحف إلى مكانه مرة أخرى. وصار من الجلي أنه ينوي قتلي. 

رجعت بسرعة إلى الجزء السفلي من السفينة لأجد منظاره، وأدركت أنه كان في حاجة إليّ كي أقود السفينة لأعود بها إلى الشاطئ، وعندما نصل إلى هناك سأكون في حيص بيص، لكني الآن في أمان. 

عدت إلى أعلى السفينة وأعطيته آلته النحاسية المصقولة. 

ثم قال هاندز: «والآن يا كابتن هوكينز، اتبع أوامري ولسوف نصل إلى الشاطئ في وقت لا يُذكر.» 

وقد أراني أين عسانا أن نصل، وبدأت أضبط الشراع، وأتأكد من أننا سنبلغ مبتغانا. 

قال هاندز: «اثبت، اثبت، اثبت!» وفي اللحظة الأخيرة غيرت اتجاهنا، واتجهنا نحو شاطئنا. وكنت منكبًّا على العمل حتى إنني لم أشعر به ورائي إلا في اللحظة الأخيرة، فاستدرت وصرخت عندما رأيته يندفع نحوي، وأطلقت الشراع الذي سرعان ما أطبق عليه بإحكام وكبح جماحه تمامًا. وقبل أن يستطيع أن يحرر نفسه منه، ركضت بعيدًا، لكنه كان عاقد العزم على أن ينال مني. 

وبسرعة حاولت الوصول إلى مسدساتي وضغطت على الزناد، لأجد أن مياه البحر قد أفسدتها، فلعنت غبائي وركضت مرة أخرى. وكان هاندز يتحرك بخفة غير معهودة لرجل مجروح، وسرعان ما ضيق الخناق عليّ على ظهر المركب. راوغته وراوغني، وظللنا على هذا المنوال بعض الوقت، وكل منا يحترز من الآخر. 

وعندئذ، ارتطمت السفينة على حين غرة بالشاطئ، فألقت الرجّة الناجمة عن الارتطام بنا في الهواء، وعندما توقفت، مالت السفينة فلم يكن هناك مكان للوقوف على سطحها، تعثر هاندز بالجثة، في حين كنت أنا أتسلق إلى أعلى نحو قمة صاري السفينة، وهناك حشوت مسدساتي في عجالة وجعلتها قيد الاستعمال. رفع هاندز عينيه نحوي وأخذ يهزأ بي في خبث، ثم وضع سكينه بين أسنانه وبدأ يتسلق الصاري ورائي ببطء وعناء شديدين. وبعد وقت قليل، دنا مني بدرجة كبيرة أزعجتني. 

قلت له: «خطوة واحدة أخرى يا سيد هاندز، وسوف أنسف رأسك.» وكانت تمتزج بنبرتي بعض السخرية، إذ خِلت أنني المنتصر. توقف هاندز مكانه، وأدركتُ بطء تفكيره، ثم أخرج الخنجر من فمه كي يتحدث. 

– «حسنًا، نحن عالقان، ولولا هذا الارتطام لكنت نلت منك، لكنني غير محظوظ.» 

وابتسمت عندما لاحظته يسحب يده بخفة وببطء إلى الوراء، وأمسك بسكينه الذي صوبه نحوي مباشرة فثبتَ كتفي بالصاري. صرخت متألمًا، وبعد أن أطلقت نيران كلا المسدسين من هول الصدمة، وألقيتهما في المحيط، لكنهما لم يسقطا وحدهما؛ إذ صحبهما إسرائيل هاندز ميتًا إلى قاع المحيط. 


الفصل العشرون
عملات معدنية



غاص هاندز في المياه، ورأيت بقعة من الدماء تظهر على السطح. وبعدها بدأت أشعر بالغثيان، ولم أستطع أن أنتزع جسدي كي أحرره من الخنجر، وكنت مذعورًا أن أسقط من مكاني فأموت إلى جانب إسرائيل هاندز. وعندئذ ارتجفت، الأمر الذي حررني من نصل الخنجر، إذ اتضح أنني ملتصق بالصاري بطرف صغير من كتفي، وجزءٍ كبير من قميصي. 

نزلت الصاري، وعندما نظرت حولي قررت أن ألقي الجثة الأخرى في البحر، وحاولت أن أضبط السفينة قدر استطاعتي حتى أحفظها، ثم أغادرها. 

قفزت عن ظهر الهيسبانيولا وقصدت الغابة في فرح، وفكرت في الترحيب البطولي الذي سأتلقاه والطريقة التي سأُعامل بها لدى عودتي. لقد تصرفت بحماقة، لكن مكافأتي هي استرداد السفينة، وظننت نفسي شجاعًا ومحظوظًا. 

واصلت المسير، وحلّ الغسق، ودنوت أكثر فأكثر من البقعة التي التقيت عندها للمرة الأولى ببن جان المسكين، رجلنا في الجزيرة. وعندما أظلم الليل أكثر فأكثر، أخذت ثقتي بنفسي تزيد، وظللت أتعثر وأتدحرج على الحفر الرملية. 

وسرعان ما وجدت نفسي أسير في ضوء القمر، وقد أراحني هذا لكنني كنت لا أزال أسير بحذر، فلم أكن أبتغي أن تنتهي مغامرتي بأن يطلق عليّ أفراد جماعتي النيران. وأخيرًا لمّا وصلت الحصن وجدت بقايا النيران المدخنة الهائلة، وتعجبت لماذا كل هذه النيران الهائلة، لا بدّ أنها أوُقدت معارضة لأوامر الكابتن. 

ورأيت الحصن مظلمًا، وبدا لي أن ليس به أحد، فظننت أنه ربما وقع مكروه عندما كنت بالخارج. زحفت على يديّ وركبتيّ، ولمّا اقتربت أكثر فأكثر ساورتني بعض الشكوك في أنهم يضعون حراسة غير جديرة بالاعتبار، ولمّا بلغت الباب ووقفت لم أستطع أن أرى أي شيء بعينيّ. 

وعندئذ دخلت، وابتسمت؛ إذ خِلت أنه ربما أستلقي في مكاني وأفاجئهم في الصباح، وبينما كنت أفكر في هذا، إذ بي أسمع صرخة حادة اقشعر لها بدني. 

تكررت الصرخة: «عملات معدنية، عملات معدنية!» لقد كان ببغاء سيلفر الكابتن فلينت! إنه هو الحارس، وقد ضبطني! التفت لأسمع صوت سيلفر المألوف: 

«من هناك؟» 

استدرت فوجدتهم يحيطون بي. 



قال سيلفر عندما أُلقي القبض عليَّ: «أحضر ضوءًا يا ديك.» ذهب الرجل ليعود بعد قليل ومعه مصباح متوهج.