الجزء الأول
القرصان العجوز
الفصل الأول
البحار العجوز في حانة أدميرال بينبو
طلب مني عدد كبير من الناس أن أدون قصة جزيرة الكنز بأكملها، وهذا ما سأفعله، لكني لن آتي على ذكر موقع الجزيرة. بدأت القصة في الماضي حينما كان والدي يدير حانة اسمها «أدميرال بينبو»، كان الليل قارص البرودة، وكنا نسمع دويَّ الرياح عندما أهلَّ علينا للمرة الأولى البحار العجوز ذو الوجه النديب.
دخل الرجل علينا فجأة، وكان منظر صندوق أمتعته غريبًا؛ إذ كان يجره وراءه بعجلة يد. وكان الرجل قوي البنية وطويل القدّ، بشرته بندقية اللون، وتتدلى على سترته الزرقاء ضفيرة سوداء، وفي الحقيقة بدا كل شيء فيه قذرًا حتى يداه وأظافره، وكان بياض الندبة الممتدة على وجنته يظهر بوضوح على بشرته المثيرة للاشمئزاز. وكان يصفر ويغني الأغنية التي ستتكرر على مسامعي في أوقات كثيرة:
خمسة عشر رجلًا في صندوق كان لرجل ميت …يوو وو وو، وزجاجة رم! بعدما ألقى بعصاه الثقيلة على الأرض، ظهر أبي، وبدا أن الضيف لم يلحظه في بادئ الأمر لانشغاله الشديد بالنظر في أرجاء الحانة.
قال الغريب: «خليج قريب، ويسهل الوصول إليه أيضًا. لا بدّ أنكم كنتم منشغلون بشدة مؤخرًا، أليس كذلك؟»
أجابه أبي: «لا.» وقد كانت هذه الحقيقة؛ إذ كان العمل يسير ببطء في الفترة الأخيرة.
ردّ الرجل: «حسنًا، إذن سيفيدني هذا المكان الرائع.» ثم التفت إلى الرجل الذي كان يدفع عربة اليد وقال: «أنت، سأحتاج بعض المساعدة في حمل صندوقي إلى أعلى.» ثم استرسل الرجل بصوت أجش: «سأمكث هنا بعض الوقت، وأنا رجل بسيط؛ لا أريد سوى لحم الخنزير والبيض، والواجهة المطلة على الخليج هناك كي أراقب السفن. يمكنكم أن تنادوني بالكابتن.»
لاحظ الرجل نظرة أبي المرتابة، فألقى أمامه ببعض العملات الذهبية التي أخرجها من كيس نقود جلدي صغير، ثم قال في شراسة: «أخبرني عندما تصل إلى قرار، بحوزتي الكثير من المال!»
ومع أن الرجل بدا وضيعًا ورث الملابس وفظ الأسلوب، بدا أنه تعود من الناس أن يطيعوه. وقد أخبرنا الرجل الذي كان يحمل أمتعته أنه وصل إلى الميناء في هذا الصباح، وأنه سأل عن حانة هادئة مطلة على الساحل، هذا هو كل ما استطعنا أن نعرفه عن ضيفنا الغامض.
وقد كان رجلًا صامتًا يقضي معظم أيامه على الجروف الصخرية عند الشاطئ ينظر في الآفاق عبر تليسكوب نحاسي لامع، وفي الليل يجلس إلى جانب النيران في ردهتنا، وغالبًا كان لا يرد عندما يتحدث إليه أحد، ونجده فجأة يتمخط بصوت يشبه صافرة السفن، وكان نزلاء حانتنا يتجنبونه، وكنت أنا ووالدي نتجنبه أيضًا.
وبعدما ينقضي مساؤه نجده يسأل إذا كان قد مرّ أي بحارة من هنا؛ ظننا في بادئ الأمر أنه يعاني الوحدة، لكن سرعان ما أدركنا أنه كان يختبئ من شخص ما؛ فكلما اقترب بحار نجده يراقبه من وراء الستار صامتًا كالفأر.
وبدأ الرجل يضع ثقته فيّ، وقد وعدني في أحد الأيام بأن يعطيني عملة فضية قيمتها أربعة بنسات شهريًّا مقابل أن أترقب «بعينيّ اليقظتين» مجيء بحار بساق واحدة، وأعلمه بذلك فور ظهوره. وكان وجهه يعبس أحيانًا عندما أطلب منه أجرتي، لكنه سرعان ما يرضخ عالمًا أن مراقبتي أهم بكثير من حجب المال عني، وكان يكرر على مسامعي: «انتبه بشدة للرجل ذي الساق الواحدة.»
وقد استحوذ الرجل الغامض ذي الساق الواحدة على أحلامي، وفي الليالي العاصفة كنت أراه يتجسد في كوابيس؛ فإذ بساقه مقطوعة حتى الركبة ثم حتى الفخذ، ثم يتحول إلى وحش قدمه في منتصف جسمه! كان يركض في أحلامي، يطاردني فوق أسوار وعبر حقول؛ لقد دفعت ثمن مساعدتي إياه غاليًا!
ومع أنني كنت أخشى هذا الرجل، كانت خشيتي له أقل من خشية معظم الناس له؛ إذ كانوا يرتاعون عندما يغني أغاني البحر الوحشية الكريهة، وفي الليالي العاصفة كان يقص عليهم قصصًا مريعة ويحثنا جميعًا على غناء لازمةٍ من أغنيته: «يوو وو وو، وزجاجة رم»، وكان النزلاء يشاركون الغناء خشيةً على حياتهم. وكلما تعكر مزاجه، كان يحملق في غضب، ويضرب الطاولة بيده، ويثور غضبًا. ولم يكن أحد يجرؤ على مغادرة الطاولة إلى أن ينتهي من الغناء وسرد القصص والترنح حتى النعاس.
وكانت القصص التي يرويها مرعبة بالفعل؛ قصص مريعة حول الشنق، والسير على ألواح خشبية، وعواصف في البحر. وكان يسره أن يخبرنا بأنه عاش وسط أشنع الرجال الذين كانوا يطلقون على أنفسهم بحارة، وقد صدمتنا ألفاظه الفظة تمامًا وكذا الجرائم التي كان يتحدث عنها.
وخال أبي أن الحانة ستخرب، وسيبتعد الناس عنها، على حد قوله. لكنني أظن أن وجود الكابتن هو الذي جلب الزبائن الجدد إلى حانتنا. لقد كانوا خائفين في بادئ الأمر، لكنهم ارتضوا أخيرًا أن تدخل بعض الجلبة والإثارة إلى حياتهم الهادئة، بل لقد أُقيم حفل على شرفه، حيث أطلق عليه الشباب «كلب البحر»، «والبحار المحنك»، وادعوا أنه من الرجال الذين جعلوا الأمم الأخرى تبدي احترامها لنا في البحر.
لكنه ظل في الحانة بعدما نفد ما معه من مال، الأمر الذي بدأ يزعجنا، ولم يكن لدى والدي الشجاعة الكافية ليطالبه بالأجرة؛ فكلما أتى على ذكر الموضوع، صرخ فيه الكابتن وأطال التحديق فيه إلى أن يغادر الغرفة. وأنا واثق من أن هذا أحد أسباب مرض والدي الشديد.
ولم يبدل الكابتن ملابسه قط، وعندما تهرأت قبعته، ألقى بها في البحر. وقد أصلح معطفه بنفسه، وبنهاية مدة إقامته، كان المعطف عبارة عن رقع من القماش. ولم يكن هناك من يزوره على الإطلاق، ولم يكتب أو يتسلم أي خطابات، ولم يكن يتحدث إلى جيرانه إلا عندما يشعر بالضجر والملل. ولم ير أحد منا قط صندوق أمتعته العظيم عندما يكون مفتوحًا.
ولم يتحداه أحد سوى مرة واحدة: جاء الطبيب ليفزي ليفحص والدي المسكين، وفي أثناء استراحة الطبيب عندما كان يتناول العشاء ويتحدث إلى ضيف آخر في الردهة وينتظر وصول حصانه، أخذت أراقبه وأقارن بين مظهره الأنيق ومظهر الكابتن؛ فكان معطفه نظيفًا، وأسلوبه غاية في التألق مقارنة بأسلوب ذلك القرصان العجوز البذيء.
وفجأة بدأ الكابتن في غناء أغنيته:
خمسة عشر رجلًا في صندوق كان لرجل ميت …يو وو وو، وزجاجة رم.اشرب وسيتولى إبليس باقي الأمر … يو وو وو، وزجاجة رم! وكنت أظن أن هذا الصندوق المذكور في أغنيته يشير إلى صندوق أمتعته، وقد امتزج في أحلامي مع وحش الرجل ذي الساق الواحدة. وفي ذلك الحين لم تعد أغنيته تلفت انتباه أي منا، لكنها كانت جديدة على مسامع الطبيب ليفزي فحسب، الذي نظر شزرًا إلى الكابتن قبل أن يدخل معه في حوار. على الفور لوح الكابتن بيده كي يصمت الجميع، فتوقفنا جميعًا عن الكلام، فيما عدا الطبيب الصالح الذي استمر يتحدث بصوت عالٍ وواضح. حملق الكابتن فيه وانتهره قائلًا: «صه! التفت الطبيب ليفزي إليه وقال جملة واحدة فحسب: «لم اضطر في حياتي قط إلى الإنصات إلى الأوغاد، وبالطبع لن استثني هذه الليلة!»
وثب الكابتن في غضب عارم وفتح مطواته مهددًا بطعن الطبيب، الذي ظل واقفًا في مكانه ثابتًا كالصنم وتحدث بصوت عالٍ دون أن يغير نبرة الصوت: «إن لم تبعد هذه المطواة، فسأشنقك!» وحملق كلاهما في الآخر بنظرات مرعبة، لكن الكابتن سرعان ما انزوى وجلس متبرمًا، لكن الطبيب لم يكن قد انتهى من كلامه بعد: «والآن وقد علمت بوجود أمثالك في مقاطعتي، فستخضع لمراقبتي، فأنا لست طبيب فقط؛ أنا قاضٍ أيضًا، وإذا سمعت شكوى واحدة ضدك، فسأقبض عليك وأنفيك خارج المدينة، وكفاك هذا التحذير!»
بعد قليل وصل حصان الطبيب فركبه ومضى في طريقه، لكن الكابتن التزم الصمت هذه الأمسية وظل هكذا عدة ليال بعدها.
الفصل الثاني
بلاك دوج
لم يمض وقت طويل بعدها حتى حدث شيء غريب خلصنا من الكابتن، لكن ليس من أمتعته: كان هذا الشتاء قارص البرودة، وكان من الجلي أن والدي لن يعيش حتى يرى الربيع، إذ كانت صحته تتدهور يوما بعد يوم، وترك إدارة الحانة لي ولوالدتي؛ لذا كنا منشغلين للغاية فلم نهتم بشأن ضيفنا الكريه.
وفي صباح أحد أيام يناير/كانون الثاني البارد، والخليج تغطيه طبقة من الجليد والشمس لا تزال في الآفاق، بكر الكابتن عن المعتاد واتجه إلى الشاطئ بتثاقل ممسكًا بمنظار ومرتديًا قبعة في وضع مائل للوراء، وسيفه الصدئ يتدلى من تحت معطفه الأزرق القديم. سار الكابتن بخطى واسعة متأففًا وكأن إهانة الطبيب ليفزي له لا تزال تؤثر في نفسه.
كانت والدتي بأعلى برفقة أبي وكنت أعد الطاولة عندما انفتح الباب وأطل منه رجل ذو بشرة شاحبة كالشمع مقطوع من يده إصبعان. وكنت طوال الفترة الماضية أترقب مجيء رجل ذي ساق واحدة، وها قد جاء رجل يبدو أن له علاقة بالبحر وإن لم يبدُ بحارًا.
سألته عما يريد، جلس الرجل وطلب أن أقترب منه.
سألني الرجل وهو ينظر شزرًا: «هل توجد طاولة هنا من أجل صديقي بيل؟»
أخبرته أنني لا أعرف أحدًا اسمه بيل، لكن الطاولة معدة من أجل رجل يُدعى الكابتن.
قال الرجل: «حسنًا، كان بيل العجوز يريد أن يُدعى كابتن، وهو لديه جرح غائر في خده الأيمن، وهو غريب الأطوار. والآن هل بيل في هذا المنزل اليوم؟»
أخبرت الرجل أنه خرج يتمشى، فطلب مني أن يعرف مكانه، وعندما أخبرته نهض من مكانه وحياني تحية ساخرة. لم أعرف ماذا أفعل؛ فقد كانت طريقة هذا الرجل غريبة، وانتظر الرجل وراء الباب وكأن قطة تتحين الفرصة لصيد فأر. وبعد وقت قصير رأينا الكابتن قادمًا في الطريق.
قال الرجل: «لنفاجئ بيل.» ثم جذبني لنختبئ خلف الباب. وأدركت أن الرجل نفسه كان مرعوبًا أيضًا، فقد فضحتْه أنفاسه اللاهثة. أخرج الرجل سيفه واستعد، وعندما عبر الكابتن الباب متجهًا نحو طاولة الإفطار نادى الغريب بصوت مرتفع في محاولة للتظاهر بالشجاعة.
– «بيل!»
التفت الكابتن وكأنه قد رأى شبحًا، وقال لاهثًا: «بلاك دوج!»
قال الرجل النحيف: «ومن غيري؟ لقد مرت عدة سنوات منذ أن فقدت هذين الإصبعين …» ثم رفع الرجل بعدها مباشرة يده المريعة.
قال الكابتن في عنف: «حسنًا، لقد عثرت عليّ، والآن ماذا تريد؟»
عندئذ أرسلني الرجل النحيف بعيدًا، لكنني أنصت إليهما قدر المستطاع كي أفهم حديثهما الفظ.
وفجأة بدأ كل منهما يصرخ، وانقلب الكرسي والطاولة، وطارد الكابتن وهو شاهر سيفه بلاك دوج الذي أخذ ينزف من كتفه، لوح الكابتن بسيفه مرة أخرى فأحدث شرخًا في اللافتة الموضوعة على الباب، ولا يزال هذا الشرخ موجودًا حتى يومنا هذا.
وعلى الرغم من جرح بلاك دوج، فقد ركض نحو الفضاء الفسيح وكأن هذا ملاذه الوحيد. وقف الكابتن ينظر إليه في حيرة وذهول، ثم وضع يديه على عينيه، وفجأة غاب عن الوعي. وكان الكابتن مستلقيًا على الأرض عندما نزلت أمي السلم مهرولة، نادتني أمي، وتمكنا من رفع رأسه، وقد بدا شاحبًا كمن يشرف على الموت.
رأينا معاناته لكننا لم نستطع أن نفعل شيئًا من أجله إلى أن جاء الطبيب ليفزي وفحصه وقال في فتور: «إنه يعاني جلطة في المخ.»
أرسلني الطبيب كي أجلب الماء، ثم شق كُمّ ثياب الكابتن مما كشف عن الكثير من الوشام؛ أحدها لرجل يتدلى من حبل مشنقة كُتب تحته اسم «بيلي بونز».
قال الطبيب: «حسنًا، لا بدّ أن نحاول الآن أن ننقذ حياة بيلي بونز.» وعليه فتح وريد الكابتن وبدأ الدم يسيل إلى الخارج، وعندئذ أفاق الكابتن صارخًا: «أين بلاك دوج؟»
أجاب الطبيب: «لا يوجد بلاك دوج هنا، أنت تعاني جلطة في المخ وقد أنقذت حياتك مرغمًا.»
هكذا تحدث الطبيب، وبعدها عانينا أنا والطبيب الأمرين في مساعدة الكابتن على الإيواء إلى فراشه، وقد سحب الطبيب الكثير من دم الكابتن ويجب أن يرتاح مدة أسبوع، وحذره الطبيب من أن إصابته بجلطة واحدة أخرى سوف تودي بحياته.
الفصل الثالث
الوصمة السوداء
في المرة التالية التي رأيت فيها الكابتن، كان يحاول جاهدًا النهوض من الفراش، ويترجاني كي أقترب منه، وعندما اقتربت منه قال لي هامسًا متوسلًا: «لا أستطيع أن أمكث هنا مدة أسبوع، لقد كنت أرى رؤى لأولد فلينت نفسه! والآن أخبرني هل رأيت ذلك البحار؟»
سألته إن كان يقصد بلاك دوج.
– «لا، لا أقصد بلاك دوج، هناك من هو أسوأ منه، قد يسلموني إخطار الموت الذي نطلق عليه «الوصمة السوداء»، وهم يتعقبون صندوق أمتعتي، والآن اذهب إلى الطبيب وأخبره أن يجلب لي كل المساعدة الممكنة إلى هنا. لقد كنت المساعد الأول لفلينت وأنا الوحيد الذي يعرف مكان الكنز. لقد أخبرني عن مكانه قبل أن يموت، انتبه للرجل ذي الساق الواحدة ولبلاك دوج، وأقسم لك بشرفي أنني سوف أخبرك بكل شيء.»
وبعدها غاب عن الوعي، لكنني لم أذهب للاستعانة بالطبيب لأن الموت داهم والدي الطيب في نفس هذه الليلة، وبالطبع لم أجد لحظة للتفكير في الكابتن. وقد أزعجنا جميعًا بسلوكه المشين قبل الجنازة؛ إذ أخذ يغني أغاني البحر القديمة ويهتاج ويصيح مثل الكلب الكبير الأعمى في الوقت الذي كنا ننتحب فيه موت والدي.
وفي اليوم التالي، وبينما كنت جالسًا خارج الباب الخلفي أفكر في والدي، إذ برجل غريب كفيف يقترب متكئًا على عكاز قديم ذي مقبض، نادى الرجل بصوت مرتفع متسائلًا عن المكان الذي هو فيه، فأجبته: حانة أدميرال بينبو. وعندما اقترب الرجل، وجدته بلا عينين، وله جفنان فقط، وفجأة قبض على معصمي بعنف شديد.
قال الغريب: «والآن أيها الصبي، خذني إلى الكابتن وإلا كسرت ذراعك! خذني إليه، وعندما نقترب منه قل: «ها قد حضر صديق لك يا بيل!»
وعندئذ لوى الرجل ذراعي بقوة وسار معي صوب الحانة حيث ناديت بصوت عالٍ كما أمرني. هبّ الكابتن، وفجأة أصبح في كامل وعيه، وقد بدا مذعورًا ومريضًا حتى الموت، وحاول أن ينهض لكنه كان خائر القوى.
قال الرجل الكفيف: «والآن يا بيل، امكث في مكانك، أنا لا أرى لكني أستطيع أن أشعر بدبيب النملة. العمل لا يعرف العواطف؛ والآن مدّ يدك اليسرى. أيها الصبي، أمسك يده اليسرى من معصمه وقربها من يميني.» فعلت كما أمرني الرجل، فوضع الرجل الكفيف شيئًا في يد الكابتن.
قال الرجل: «لقد تمت المهمة.» ودون أن ينطق بكلمة واحدة أخرى خرج من الباب بسرعة كبيرة، وعندما استعاد الكابتن وعيه، نظر إلى كفه فزعًا وقال: «الساعة العاشرة بالتمام! لم يتبق سوى ست ساعات!»
نهض الكابتن بعدها مباشرة على قدميه، ثم أمسك فجأة بحلقه، وسقط عند قدميّ، هرعت إليه لكن دون جدوى. لقد مات الكابتن، ومع أنني لم أحبه قط، انفجرت في البكاء؛ إذ كان هذا الموت الثاني الذي أشهده خلال يومين.
الفصل الرابع
خدعة الرجل الضرير
فتح صندوق الأمتعة
أخبرت أمي بكل ما عرفته، وأدرك كلانا أن البحارة المزعجين زملاءه سيأتون على الفور سعيًا وراء صندوقه، وأننا لن نحصل قط على النقود المستحقة لنا. وسمعنا صوت وقع أقدام في الظلام، وكانت الأشباح تطاردنا وسط الضباب.
قررنا أن نذهب إلى أقرب مدينة للحصول على العون، وكنا نركض مرتاعين، وأخذنا نركض في الليل وسعدنا برؤية أضواء المدينة. لكن هذا كله دون طائل؛ فعندما أخبرنا سكان المدينة ما حدث وأتينا على ذكر اسم الكابتن فلينت، كانوا يتوارون ويخشون مساعدتنا. لقد كان بمقدورهم أن يستعينوا بالطبيب لكنهم ما كانوا ليساعدونا في الدفاع عن حانتنا.
لعنت أمي الرجال، وأخبرتهم أننا سنجازف بالعودة بمفردنا، وكل ما فعلوه هو أنهم أعطوني مسدسًا محشوًّا بالرصاص، ووعدوني بمنحي الجياد عندما نعود. اجتزنا الضباب في الليل الحالك السواد الذي اختفى قمره متجهين إلى بيتنا. وتمكنا من أن نشق طريقنا للعودة إلى الحانة حيث أوصدنا الباب بإحكام وراءنا، ولم يكن بصحبتنا سوى جثة الكابتن.
ملت نحوه ووجدت الورقة المجعدة التي كان يخشى بشدة أن تكون من نصيبه، والتي كُتب فيها: «أمامك حتى الساعة العاشرة.» فجأة أخذت ساعتنا تعلن دقاتها، كانت الساعة السادسة فتهللنا؛ إذ كانت لا تزال هناك أربع ساعات متبقية قبل أن يقع أي مكروه. تحسست جيب الكابتن للعثور على المفتاح لكني لم أجد سوى مطواة وبوصلة. رجحت أمي أنه ربما وضعه حول رقبته، لذا مزقتُ قميصه وأنا واثق من وجود المفتاح، وبالفعل عثرت على خيط يتدلى منه المفتاح.
أسرعنا إلى غرفته ووجدنا الصندوق البالي، وعلى الفور أدارت أمي المفتاح في القفل وفتحته، فكان بداخل الصندوق ملابس جديدة نظيفة للغاية، ومسدسات، وعملات فضية، وحلي من بلاد بعيدة. وتحت هذه الأشياء كان يوجد لفافات من ورق أصفر قديم، وكيس يحتوي على ذهب. أصرت أمي على أن نأخذ ما لنا فحسب. وعندما جلسنا لنعد العملات الأجنبية، أمسكتُ ذراعها بقوة ووضعتُ إصبعي على فمي لتصمت.
سمعنا صوت نقر عكاز الرجل الكفيف يأتي من جهة الشارع، ثم سمعناه يهز قفل الباب بشدة، وعندما لم ينفتح الباب، سمعناه يتراجع في الظلام ينقر بعكازه أيضًا.
– «أمي، لنأخذ كل شيء ونرحل!» لكنها ما كانت لتقبل بهذا. وعندئذ، سمعنا فجأة صوت صفير قادمًا من جهة الشارع، فعدلت عن رأيها سريعًا.
صرخت أمي: «سآخذ ما بحوزتي!»
– «وأنا سآخذ رزمة الأوراق القديمة هذه.»
نهضنا بعدها مباشرة، ونزلنا السلم بأقصى سرعتنا، وفتحنا الباب، وركضنا في الشارع. وبينما كنا في طريقنا، إذ بالضباب ينقشع، واكتشفنا أنه كاد يفوت الأوان؛ إذ ارتفع القمر في كبد السماء، وسينفضح أمرنا لو ظللنا في مكاننا. سمعنا مرة أخرى أصواتًا آتية عبر الدرب الذي نسير فيه، فالتفتت أمي نحوي وقالت: «خذ هذا المال، أشعر أنني سأفقد الوعي.» ولمّا فقدت الوعي بالفعل، أمسكتها بين ذارعيّ وجررتها أسفل الجسر المجاور لحانتنا. وكنا لا نزال نسمع الأصوات من الحانة. وجثمت منخفضًا قدر استطاعتي.
الفصل الخامس
نهاية الرجل الكفيف
طرد الفضول خوفي؛ فخرجت من أسفل الجسر إلى الطريق ورأيت رءوس أعدائي وهي تبزغ وسط الضباب، وكان يقودهم الرجل الكفيف، وبعد قليل بلغ سبعة أو ثمانية منهم الباب.
صرخ الرجل الكفيف: «اكسروا الباب!» وعلى الفور تدافع الرجال نحوه، واشتدت دهشتهم عندما رأوه مفتوحًا، ثم صرخ فيهم ليدخلوا. وفي لحظات كان الرجال داخل حانتنا، وفجأة سمعت صرخة فزع: «مات بيل!»
نهاهم الرجل الكفيف عن النواح، وأمرهم بالبحث عن المفتاح في جثة بيل. تدافع الرجال إلى أعلى، وبعدئذ فتحوا النافذة على مصراعيها وصرخوا قائلين: «أولد بيو! لقد سبقنا شخص ما إلى هنا، فالصندوق مفتوح، لكن المال لا يزال هنا!»
ردّ عليهم: «ملعون المال! أين «قبضة فلينت»؟ هل هي موجودة حول جثته؟»
بحث الرجال لكنهم لم يعثروا على شيء. عندئذ صرخ بيو الكفيف بصوت عظيم: «إنه الصبي، ليتني اقتلعت عينيه، لقد كان هنا منذ قليل؛ فقد كان الباب موصدًا منذ لحظات، لا بدّ أنه قريب. انتشروا واعثروا عليه!»
انتشر الرجال في كل أنحاء الحانة يقلبون كل شيء يعترض طريقهم وهم يحاولون العثور علينا، وعندئذ سمعنا صوت صفير يدوي مرتين من ناحية التل.
قال أحد الرجال: «إنهم رجال الدرك، لا بدّ أن نرحل الآن!»
لكن بيو انتهرهم وقال عن رجال الدرك إنهم جبناء، ونعت رجاله بالحمق لأنهم لا يجدُّون في البحث.
صاح بيو: «اعثروا على الولد وسنعيش ملوكًا! لقد كنتم جميعًا جبناء فلم تواجهوا بيل، إلا أنا، وأنا الكفيف!» وعندئذ أخذ بيو يلوح فيهم بعكازه مما أثار جلبة عظيمة بينهم.
وعلى الفور أخذوا يتعاركون كالقطط والكلاب. وفجأة، أوقف ضجيجهم صوت وقع حوافر الخيل وصوت دوي طلقة مسدس، فولى القراصنة الأدبار في كل الاتجاهات، ولم يتبق سوى بيو الذي أخذ ينقر بعكازه ويسبهم ويلعنهم وهو يمر إلى جانبي مباشرة. وعندما سمع صوت راكبي الخيل، استدار وأخذ يركض في هلع، وزلّ تحت أقدام خيل من خيولهم، فسقط عند أقدامهم ساكنًا بلا حراك.
لاحظت أن راكب الخيل صبيًّا من المدينة وبصحبته عدد من رجال الشرطة، وقد أدركوا على الفور ما حدث وانطلقوا لمطاردة القراصنة، ولم يقلل من سرعتهم سوى حالة الجو، والحاجة إلى الحفاظ على خيلهم لتسلق التلال الشديدة الانحدار. وعندما بلغوا مرسى السفن، وجدوا أن قاربًا صغيرًا قد انطلق بالفعل وأن القراصنة قد أفلتوا من العقاب. عادت أمي إلى وعيها في الحانة، لكن بيو الضرير لم يعد، إذ لقي حتفه.
ووجدنا الحانة خرابًا، وبعد أن أخبرتهم قصتي، أدرك رئيس الشرطة أنهم كانوا يسعون وراء لفافة الورق التي أحتفظ بها في معطفي. وقررنا في عجالة أن نشق طريقنا إلى منزل الطبيب ليفزي كي نحفظ هذه الأوراق في مأمن بعيدًا عن أيديهم. بعدها ساعدني الشرطي على امتطاء جواده، وخرجت مرة أخرى في ظلام الليل.
الفصل السادس
أوراق الكابتن
قطعنا طريقنا بصعوبة إلى منزل الطبيب ليفزي وكان السيد دانس يقودنا في الطريق. نزلنا عن الجياد، لكننا لم نجد الطبيب، فواصلنا مسيرتنا للعثور عليه إذ كان يتناول العشاء بصحبة أحد النبلاء، سُمح لنا بالدخول سريعًا، وأوصلونا إلى المكتبة العظيمة حيث يجلس الطبيب ليفزي للتسامر مع السيد جون تريلوني تحيط بهما أرفف الكتب.
سارع تريلوني بالسؤال عن أمرنا، وما إن علم هو والطبيب الأمرَ حتى رأيت شغفهما الشديد ورغبتهما في معرفة المزيد، وقد ابتهجا لأننا عدنا إلى الحانة، ثم أخذ السيد تريلوني يذرع المكان جيئة وذهابًا.
ثم قال: «سيد دانس، أنت رجل نبيل، وما كان لك أن تضيع وقتًا في القلق بشأن سحق هذا الكفيف الشرير تحت أرجل الخيل؛ فالفتى هوكينز قيمته كالذهب.»
ثم قرروا أنه ينبغي لنا أن نكشف عن محتويات لفافة الأوراق. وأمر رجلان من الرجال أحد الخدم بأن يجلب لي طعامًا ساخنًا لأتناوله، فالتهمته في الحال. وناقش كل من السيد دانس والطبيب ليفزي العديد من الأمور، لكن سرعان ما عاد مجرى الحوار إلى الأحداث الحالية. وسأل الطبيب تريلوني هل سمع عن هذا الرجل الذي يُدعى فلينت.
أجاب تريلوني في تعجب: «سمعت عنه! لقد كان أكبر قرصان متعطش للدماء؛ كل القراصنة كانوا يخشونه، وقد رأيت ذات مرة مراكبه الشراعية خارج جزيرة ترينداد! كان فلينت أكثر القراصنة ثراءً وخسة!»
وقد رأوا جميعًا أنه لا بدّ أن يوجد مفتاح للكنز العظيم المذكور في لفافة الورق، وإن كان الأمر هكذا، فسيوفر السيد تريلوني سفينة ويستخدمها للبحث عن الكنز، مهما كانت التكلفة. وافق الطبيب ليفزي على هذا، ثم وضع لفافة الورق على الطاولة، وعلى الفور قطعوا غرز الخياطة ووجدوا أن اللفافة تحتوي على كتاب وورق مختوم، واتفقوا على فحص الكتاب أولًا، ودعوني لأنظر عن كثب وأشارك في هذا الاكتشاف. وقد تملكنا أنا والطبيب ليفزي الذهول والحيرة لدى رؤية علامات وأشكال في أعمدة، لكن تريلوني كان يعلم ما الذي نحمله في أيدينا.
– «هذا دفتر حسابات الوغد الشرير!» وقد كان بالفعل سجلًّا لسفن استولوا عليها، وثروات منهوبة، وأموال مستحقة في صورة عملات فرنسية وإسبانية وإنجليزية.
عندئذ وجهنا انتباهنا إلى رزمة الورق المختومة؛ وعندما فتحها الطبيب انبسطت أمامنا خريطة بالملاحظات والاتجاهات، بالإضافة إلى خطوط الطول والعرض. ورأينا ملحوظة مكتوبة وراء تل سباي جلاس كُتب عليها: «يوجد الجزء الأكبر من الكنز هنا.» وكان هناك المزيد من الاتجاهات التي تقود إلى مكان يُدعى جزيرة سكيليتون.
امتلأ تريلوني بهجة وأمر بإعداد سفينة كبيرة والشروع في رحلة إلى جزيرة الكنز في الحال.
قال تريلوني: «سأكون أنا الأميرال، وأنت يا ليفزي طبيب السفينة، وسيكون هوكينز في خدمتنا! ولسوف نحضر معنا رجالي: ريدروث، وجويس، وهانتر.»
كان تريلوني يتقد بالحماس الشديد الذي كان يظهر على وجهه، لكن الطبيب أراد أن يقول شيئًا.
فقال: «الشخص الوحيد الذي أخشى منه هو أنت يا تريلوني؛ لأنك لا تستطيع أن تضبط لسانك! ثمة قراصنة منتشرون بالخارج مستعدون أن يقتلوا أي فرد من أجل هذا الكنز، وقد يجازفون بأي شيء. لا بدّ أن نظل معًا إلى أن تجهز سفينتنا. سأمكث مع جيم هوكينز، لكن يجب ألا يبوح أي منا بكلمة واحدة عن هذا الأمر.»
وبعدها قطع تريلوني وعدًا بأن يظل صامتًا كالقبر.