الجزء الخامس
كابتن سيلفر
الفصل الحادي والعشرون
في قبضة العدو
على الضوء الأحمر للمصباح، أدركت أن كل شيء قد ضاع، ولم أر سوى ستة قراصنة لكنهم استولوا على المكان. وافترضت أن أصدقائي قد ماتوا. واستقر الببغاء على كتف جون، والتفت سيلفر إليّ. ورأيت أحد القراصنة مجروحًا، وأربعة آخرين مستيقظين بشق الأنفس، سيلفر وحده هو من بدا يقظًا وإن كان شاحب الوجه.
أقسم سيلفر قسم البحارة الزائف: «أقسم لك أنني سعيد لرؤيتك. إنه جيم هوكينز. والآن، أنت لست ذكيًّا.»
وقفت وراقبته دون أن أنبس ببنت شفة.
استرسل سيلفر: «لطالما أردتك أن تنضم إلينا، والآن ستفعل، ستصير واحدًا منا، فأصدقاؤك لا يريدونك ثانية على ما يبدو.»
عندئذ عرفت أنهم على قيد الحياة فعاد الأمل إلى قلبي لكنني لم أتفوه أيضًا.
– «حسنًا، لديك الآن الحرية في أن تقبل الانضمام إلينا أو ترفض. وهذا حق وعدل، ما قولك في هذا؟»
شعرت بتهديد الموت أمام عيني، لكني وجدت أن هذه فرصتي الأخيرة في التحدث.
«إن كان من حقي الاختيار، أريد أن أعرف حقيقة الأمر!»
أجاب سيلفر: «الحقيقة هي أن أصدقاءك قد تخلوا عنك. لقد استيقظوا من النوم ووجدوا أن السفينة قد رحلت، ثم أتوا إلينا لعقد اتفاقية؛ أخذنا نحن الحصن والمخزون من المؤن، وهم رحلوا، وانطلقوا إلى وجهة لا يعلمها أحد، لكنهم كانوا قد ذكروا أنهم فاضوا بك ذرعًا لأنك هجرتهم.»
أجبته: «حسنًا، إليك حقيقة الأمر من وجهة نظري: أنت في وضع سيء للغاية، وأنا من وضعك في هذا الموضع؛ لقد سمعتك من برميل التفاح وأفسدت عليك مؤامرتك بشأن التمرد على ظهر السفينة. وقد ألقيت بهاندز في قاع البحر، وأنا الذي قطعت حبل السفينة وخبأتها في مكان لن تطوله يدك قط. اقتلني إن أردت، أو اتركني على قيد الحياة وعندئذ سأكون شاهدًا عليك في المحكمة عندما تُتهم بالقرصنة. الخيار خيارك أنت الآن!»
وفي تلك اللحظة، نهض أحد الرجال ممسكًا بسكين في يده لكن سيلفر منعه.
قلت له ساخرًا: «هل أنت الكابتن الآن؟ أعد النظر في الأمر وإلا سألقنك درسًا، وأول رجل يضايقني سأجعله طعامًا للسمك.»
نهض بعض الرجال وأخذوا يدمدمون، لكن سيلفر تظاهر بالانزعاج وأمسك بعكازه.
ثم زأر: «أيجرؤ أحد على أن يتحداني؟ لا، لا أظن ذلك. إذن ليصمت الجميع، فهذا الصبي أشجع من زمرتكم.»
تقدم أحد الرجال مطالبًا بحق الرجال في الاجتماع بالخارج وعقد مجلس لا يحضره قائدهم. وبالفعل قاموا بذلك وتركوني أنا وسيلفر وحدنا، فنظر سيلفر إليّ وعيناه تقولان إنه يخشى وقوع ما هو أسوأ.
قال سيلفر: «سينقلبون ضدي يا جيم، القرار في يدي أنا وأنت كي يحفظ كل منا حياة الآخر.»
دُهشت من كلامه ونظرت إليه شزرًا.
استرسل سيلفر: «أعلم أنك تركت السفينة في مكان ما، لا أعرف كيف فعلت هذا، لكني متأكد من هذا. والآن، هاك السؤال المهم: لماذا أعطاني الطبيب خريطة الكنز قبل أن يرحل؟»
دُهشت مرة أخرى.
واستطرد سيلفر قائلًا: «هذا ما فعله، لكن هناك مغزى من وراء هذا يا جيم، سواء أكان جيدًا أم سيئًا، هذا هو المهم.»
الفصل الثاني والعشرون
عودة الوصمة السوداء
عندئذ انتظرنا أن ينتهي الرجال من مجلسهم، وعندما عادوا كان سيلفر يتصرف بطريقة ودية ومألوفة.
قال سيلفر: «يا له من نسيم عليل يا جيم.» وأخذت أراقبه قبل أن أحول عيني إلى الرجال بالخارج.
عاد الرجال بتؤدة وكانت تبدو عليهم سيماء الاستماتة والوحشية.
قال سيلفر: «هيا، ادخلوا، لن أعضكم. سلموني إياها.»
وعندئذ سلموه الوصمة السوداء.
«لماذا قطعتم هذه من الإنجيل. الآن أنتم ملعونون!»
وعندئذ انقلب بعضهم على بعض وأخذوا في الشجار. ثم فتح ورقة الوصمة السوداء وقرأ كلمة «مخلوع»، مما يعني أنه لم يعد الكابتن مجددًا.
لكن سيلفر أصر أن يقرءوا على مسامعه أولًا التهم المنسوبة إليه.
قال جورج ميري: «لقد أفسدت هذه الرحلة البحرية، ومكنت العدو من الفرار من هذا الفخّ، ولم تدعنا نتعقبهم، وهناك موضوع هذا الصبي.»
قال سيلفر: «حسنًا، لقد اتضح لي الآن من يريد أن يكون الكابتن، لكن دعني أجيب على تهمك. هل أنا من أفسد هذه الرحلة؟ حسنًا، أنت تعلم ما كنت أريده، لكنك حرضتهم ضدي يا جورج، أليس كذلك؟ من الذي خانني؟»
عندئذ حول جورج نظره بعيدًا.
استرسل سيلفر: «أتجرؤ على أن توجه إليّ الاتهامات! أتحاول أن تكون زعيمًا عليّ! أنت يا من أغرقتنا جميعًا! أنت لم ترقَ إلى مرتبة القرصان الحقيقي، كان يجدر بك أن تكون خياطًا! وليس لديك أدنى فكرة عن مدى سوء وضعنا الآن. أما الصبي، فهو رهينتنا، ولا أنوي أن أقتل الرهينة الوحيدة التي لدينا، ولعله يكون أملنا الأخير في النجاة. وأما الاتفاقية التي عقدتها؛ فلو كنت مكاني لفعلت نفس الشيء! وأحد بنود هذه الاتفاقية أن يعرج علينا الطبيب يوميًّا ليداوي جروحك، وهناك المزيد. كما حصلت على شيء من شأنه أن يخبرك لماذا فعلت كل هذا!»
وعندئذ ألقى سيلفر بخريطة الكنز على الأرض فانقضوا عليها جميعًا يصرخون ويصيحون كالأطفال؛ كانوا يتصرفون وكأنهم قد عثروا على الذهب بالفعل ورجعوا به إلى منازلهم سالمين غانمين.
استرسل سيلفر: «أنا الذي حصلت على خريطة الكنز. هل من رجل أفضل مني؟ لكني سأعتزل! انتخبوا لكم من تريدون! لقد ضقت ذرعًا بهذا!»
لكن ثلاثة منهم هتفوا: «سيلفر، سيلفر، سيلفر.» في حين أخذ جورج يراقب الأمر؛ إذ كان من الجلي أن سيلفر ما زال الكابتن. أما ديك فقد بدا مستاءً بسبب قطع جزء من إنجيله. طوى سيلفر الورقة في يده وقذفني بها، وما زالت أحتفظ بها.
قال سيلفر: «حسنًا يا جورج، يبدو أنك ستضطر أن تنتظر بعض الوقت حتى تصير الكابتن!»
وبعدئذ أُرسل جورج إلى الخارج لتولي عملية المراقبة، في حين ذهبت أنا وبقية أفراد الطاقم إلى النوم. علمت أننا كنا نقترب من نهاية هذه اللعبة المزعجة، ولم أستطع أن أتكهن بما قد يحل بنا، وكذلك لم أستطع أن أعرف سبب إعطاء أصدقائي الخريطة لسيلفر. لكن ما كنت واثقًا منه هو أن سيلفر كان سيبذل ما في وسعه كي ينقذ حياته البائسة. وكان قلبي يئن من أجله على الرغم من شره؛ إذ كان يمكن لأي شخص أن يرى الظلام الذي ينتظره.
الفصل الثالث والعشرون
إطلاق سراح مؤقت
استيقظنا جميعًا على صوت وصول الطبيب، وأعترف أنني خجلتُ من النظر في وجهه.
وعندما وصل أحسن سيلفر معاملته.
صاح سيلفر: «أهلًا أيها الطبيب! طاب صباحك يا سيدي! جميع مرضاك يتمتعون بوافر الصحة، تعال وانظر.»
استمر سيلفر يعامل الطبيب هكذا إلى أن بلغ الطبيب التل: «لدينا أيضًا مفاجأة صغيرة لك؛ غريب صغير في معسكرنا!»
توقف الطبيب لدى سماعه تلك الكلمات.
صاح الطبيب: «لا تقل أنه جيم!»
أجاب سيلفر: «لِمَ لا؟ بالطبع هو!»
عندئذ بدا الطبيب مصعوقًا من هول الصدمة لكنه أصر على فحص المرضى قبل أن يصرف انتباهه إليَّ.
قال الطبيب: «أعتبر أن هذا واجبي، بصفتي طبيب المتمردين، أن أحافظ على صحتكم جميعًا سالمة إلى أن أودعكم في حبل المشنقة عندما نعود إلى إنجلترا.»
وبعد أن أولى اهتمامه للأسقام المختلفة التي يعانيها القراصنة، طلب أن يتحدث إليَّ على انفراد، الأمر الذي اعترض عليه القراصنة مرة أخرى، وهكذا عارضهم سيلفر أيضًا.
زأر سيلفر كالأسد: «سكوت!» فارتعدوا جميعًا. استرسل سيلفر: «أيها الطبيب، جميعنا ممتنون لعنايتك بأسقامنا. هوكينز، هل تعد بأنك لن تهرب؟»
قطعت له وعدًا بهذا، وعندئذ طلب سيلفر من الطبيب أن ينزل التل مبتعدًا، وأخبره بأنه سوف يحضرني بنفسه إليه. وما إن خرج الطبيب حتى أخذ الرجال ينوحون ويصيحون، إلى أن هدأ سيلفر من روعهم.
«أتريدونني أن أخرق الهدنة في نفس اليوم الذي سنذهب فيه لنفتش عن الكنز؟ حمقى! أغبياء! سنخرق الاتفاقية في الوقت المناسب.»
وعندئذ دفعني خارج الباب، حيث شققنا طريقنا نحو الطبيب. وما إن وصلنا هناك حتى تغير وجه سيلفر تغيرًا جذريًّا.
قال سيلفر: «الآن أيها الطبيب، لقد أنقذت حياة هذا الصبي، والسبب الوحيد لمجيئي هنا الآن هو أن أنقذ حياتي أنا أيضًا. ولا آمل إلا في أن تساعد كلينا.»
قال الطبيب: «لماذا يا سيلفر، أنت لم تكن خائفًا؟»
اعترف سيلفر بأنه لم يكن خائفًا، وأنه يعرف أنه محكوم عليه بالإعدام شنقًا. لكنه يأمل في أن يتذكر الطبيب أنه فعل خيرًا عندما أنقذ حياتي.
وبعدئذ تركني سيلفر مع الطبيب الذي أخذ يوبخني ويعنفني إلى أن سمع قصتي الرائعة.
سألني الطبيب: «هل عثرت على السفينة؟ إذن أنت من يحاول أن ينقذنا من البداية يا جيم؟»
وحاول أن يشجعني على أن أخلف وعدي وأذهب معه، لكني ما كنت لأفعل هذا فقد أقسمت، وبعدئذ صرف اهتمامه إلى سيلفر.
قال الطبيب لسيلفر: «أنصحك ألا تحاول العثور على هذا الكنز.»
أجاب سيلفر: «أنا مضطر أن أفعل هذا وإلا سيقتلونني بأنفسهم.»
قال الطبيب: «حسنًا، إذن احترس من الرياح العاتية في البحر، من الممكن أن تكون هذه الرياح الممطرة مدمرة. وعندما نعود، إذا رجعنا من هذه التجربة أحياء، أتعهد بأن أفعل كل ما بوسعي كي أنقذك.»
أخذ سيلفر يقفز فرحًا مبتسمًا وشاكرًا. عندئذ صافحني الطبيب وودعنا وسار في طريقه بخفة ونشاط.
الفصل الرابع والعشرون
التفتيش عن الكنز
مؤشر فلينت
قال سيلفر: «جيم، إن كنت قد أنقذت حياتك، فأنت أنقذت حياتي أيضًا؛ لقد رأيت كيف أن الطبيب طلب منك أن تهرب، وأنت لم تفعل، وبهذا الصنيع أنقذت حياتي، والآن انظر، لقد كرهت هذه المهمة. وأنا لا أعرف ما الذي يقصده الطبيب بالرياح العاتية، كما لا أحبذ التفتيش عن الكنز اليوم. دعنا نظل قريبين أحدنا من الآخر.»
عدنا لتناول الإفطار حيث تغيرت طباع سيلفر مرة أخرى إذ صار سوقيًّا ومتبجحًا وقال إن الطبيب أخبره أن السفينة مخفية. وذكر أنه أعد خططًا مؤكدة سوف تمكنهم من العثور على الكنز سريعًا وأنهم سيبحرون في أعالي البحار وسيحتفظون بي رهينة.
ضحك الرجال وبدا عليهم أنهم مستعدون لأي شيء، وأدركت أن سيلفر ما زال يعمل لصالح الجانبين. وساورتني المخاوف من أن يكتشف أفراد طاقمه ولاءه الجديد للطبيب وعندئذ سأضطر أنا وهو أن نحاربهم معًا، يا له من مشهد مفزع ذلك الذي سيئول إليه الحال إذا حدث هذا؛ فها هو رجل ذو ساق واحدة وأنا صبي ضد خمسة قراصنة عتاة.
وساورتني المخاوف أيضًا من ألا أستطيع أن أفهم تصرفات أصدقائي؛ لماذا هجروا الحصن، وسلموا الخريطة؟ وما موضوع التحذير من الرياح العاتية؟ اجتاحت ذهني العديد من الشكوك عندما شرعنا في رحلتنا.
تسلح كل رجل بالعديد من الأسلحة، وقاد سيلفر الزمرة البائسة باستخدام بندقيتين، ومسدسين، وسيف مقوس قصير وثقيل يُسمى القطلس، وعلى كتفه ببغاؤه — كابتن فلينت — يثرثر. وكان منظرنا رائعًا ونحن في طريقنا.
اتبعنا التعليمات، وتحققنا من الخريطة واختلف الرجال حول الشجرة الطويلة الموجودة في الخريطة؛ فأخذ كل واحد ينتقي شجرته المفضلة، وقال لهم سيلفر إنهم قريبًا سيعرفون من على صواب.
واصلنا المسير في سهولة ويسر، وعندما استدرنا يسارًا وصلنا إحدى القمم. ثم انتقلنا إلى غابة أكثر كثافة، وفجأة سمعنا صوت أحد أفراد الطاقم يصرخ مذعورًا. أسرعنا كلنا في زمرة واحدة إليه ورأيناه يحدق إلى أسفل في هيكل عظمي لرجل يرقد بجانب إحدى الأشجار.
سأل سيلفر: «ما هذا الاتجاه الذي ترقد فيه العظام؟ هذا أمر غير مألوف.» نظرنا جميعًا إلى الهيكل العظمي فوجدناه يرقد مستقيمًا، مما بدا غريبًا. عندئذ أخرج سيلفر بوصلته، واتبع الاتجاه الموازي للخط المستقيم للهيكل العظمي.
قال سيلفر: «لقد ظننت ذلك، هذا هو المؤشر، لا بدّ أنها مزحة من مزاح فلينت الطريف. وهذا أحد الرجال الذين قتلهم فلينت، انظروا إلى شعره، هذا أولاردايس. أتتذكره يا توم؟»
أجاب توم: «نعم، نعم أتذكره، لقد كان يدين لي ببعض المال.»
ردّ رجل آخر: «لم أحب فلينت هذا قط؛ لم أحب طريقته عندما يثور أو يلعن أو يغني تلك الأغنية الوحيدة. لقد كان يجلب النحس …»
قال سيلفر: «هيا بنا الآن، كفى هذا النوع من الحديث، لنركز تفكيرنا على الكنز الآن ودعونا نتحرك!»
فعلنا ما أمرنا به، لكن الرجال أخذوا يسيرون مقتربين بعضهم من بعض وفي هدوء، ولم يعودوا يتحدثون حديثهم الخالي من الهموم؛ فقد أذاب قلوبهم هيكل البحّار العظمي الذي وضعه فلينت مؤشرًا.
الفصل الخامس والعشرون
صوت بين الأشجار
شعر الرجال الآن بالإنهاك والانزعاج، وجلسوا عندما سنحت لهم أول فرصة، وعاودوا الحديث عن فلينت.
قال أحدهم: «لقد كان قبيحًا للغاية، وشرير الطباع.»
قال سيلفر: «حسنًا، إذن يجدر بك أن تشكر طالعك أنه مات.» وفجأة إذ بنا نسمع صوتًا يقول:
خمسة عشر رجلًا في صندوق كان لرجل ميت …يوو وو وو، وزجاجة رم! على الفور ارتاع الرجال.
وصرخوا قائلين: «إنه فلينت! لقد قام من الموت!»
وعندئذ نادى الصوت مرة أخرى: «أحضر لي سيفي يا دربي!»
صرخ واحد من الرجال: «لقد كانت هذه كلماته الأخيرة!»
التصق القراصنة بأماكنهم في الأرض وكل منهم يصرخ بأنه يريد الفرار، لكنهم كانوا مرتاعين من الأشباح. وكان ديك، الرجل المحموم والمصاب بغثيان، يقرأ في الإنجيل، وبدا عليه أنه سيفقد صوابه. لكن سيلفر ظل رابط الجأش.
قال سيلفر: «هناك صدى صوت يتبع الصوت، وصوت الأشباح لا يتبعه صدى صوت! هذا صوت إنسان من لحم ودم!»
وبدا أن صاحب هذا الصوت كان يريد أن يستدرج الرجال إلى مكان ما.
قال واحد من الرجال: «نعم، لا يبدو هذا الصوت صوت فلينت، وإنما كصوت شخص آخر؛ صوت بن جان!»
وكان من الواضح أن لا أحد يخشى بن جان، حتى وإن ظنوا أنه كان ميتًا، فحتى لو كان شبحًا، لا أحد يكترث له. وسرعان ما عاد الرجال إلى طريقهم وحولوا أنظارهم مرة أخرى إلى التل الذي أمامهم. وكان سيلفر يجرني من الحبل الذي كانوا يوثقون يديّ به، ورأيت مزاجه يتغير، وأدركت أن ذهنه كان منشغلًا بالكنز. وعبس وجهه طوال الطريق وهو يجرني وراءه، وأدركت عندئذ أن كل مظاهر الرحمة قد فارقته؛ فلسوف يحاول العثور على الكنز وسفينته وبعدئذ يذبح كل من يقف في طريقه.
وكان جسمي يرتجف وكنت منهكًا للغاية، واستمر ديك يهذي بجنون ورائي ونحن نسير في الحرارة المتأججة. وأخذت أفكر في الرجال الكثيرين الذين قتلهم فلينت هنا، وفكرت في أنني سأكون التالي.
وفجأة صرنا في المنطقة الخالية من الأشجار وسمعنا ميري يصرخ في الوقت الذي كنا نتقدم فيه إلى الأمام، فهرعنا إليه، وضاعف سيلفر من سرعته إلى أن توقفنا جميعًا.
كان أمامنا هوة عظيمة، وكان من الجلي أنها حفرة قديمة، وكانت جوانبها تميل للداخل وقد نمت عليها الأعشاب، وكان يوجد في قاعها معول مكسور، وقطع من صندوق خشبي من السفينة «وولرس»، سفينة فلينت. لكن كل شيء كان جليًّا أيضًا؛ لقد وُجد الكنز المكنون، وسطا أحدهم عليه وضاع الكنز الذي قيمته سبعمائة ألف جنيه ذهبي!
•••
ثار الرجال ثورة عارمة، وصرخوا ولعنوا، لكن رد فعل سيلفر كان أسرع منهم؛ لقد التفت وأعطاني مسدسًا، واندفعنا سريعًا إلى الجانب الآخر من الحفرة.
قلت له: «إذن، هل غيرت ولاءك مرة أخرى؟»
لم يأبه لكلامي، وعندئذ قفز الرجال إلى الحفرة ليجدوا عملة واحدة فقط. ثم خرجوا منها بخفة والتفتوا نحو سيلفر والشرر يتطاير من أعينهم.
صاح جورج ميري: «هذا هو الأحمق ذو القدم الخشبية الذي قادنا إلى هنا! انظروا إلى وجهه؛ كان يعرف طيلة الطريق أنه لا يوجد كنز.»
حدق الجميع إلى سيلفر الذي سرعان ما تكلم قائلًا: «إذن، عاودت السعي نحو منصب الكابتن يا جورج؟»
وقف الرجال على الجانب المقابل منا، ونظرنا نحوهم ومسدساتنا جاهزة للاستعمال.
قال جورج: «أنتما اثنان؛ واحد أعرج والآخر غلام، ونحن خمسة رجال، سأقتلع قلبيكما.»
لكن عندئذ بدأ قصف النيران، فسقط منهم رجلان إلى جانب جورج ميري الذي سقط في الهوة؛ فقد أطلق سيلفر رصاصتين على جورج وقال: «أظن أنني هدأت من روعك يا جورج.»
وفجأة ظهر الطبيب، وجراي، وبن جان، وانضموا إلينا بمسدساتهم. ركضنا بسرعة عبر الغابة كي نمنع الرجال الذين هربوا من الوصول إلى القوارب. وبعد قليل اكتشفنا أنهم ذهبوا في الاتجاه الخاطئ — وأخذنا قسطًا من الراحة وأخذ الطبيب يشرح لنا ما حدث.
في غضون السنة التي كان بن يجوب فيها الغابة، عثر على الهيكل العظمي والكنز. وقد نبش الأرض وأخرج الكنز ونقله إلى كهفه منذ شهرين فحسب قبل وصولنا إلى الجزيرة. وحدث بعد ظهر اليوم الذي وقع فيه الهجوم عندما ذهب الطبيب للقائه أنه أسر إلى الطبيب بأمر الكنز، وفي صباح اليوم التالي بعدما اكتشفا اختفاء القارب، ذهب الطبيب إلى سيلفر وأعطاه الخريطة، إذ صارت عديمة الفائدة، وأعطى الطبيب المؤن لسيلفر حتى يستطيع أن يمرر أصدقاءنا بسلام إلى كهف بن حيث يوجد كميات وافرة من لحم الماعز المملح. وقد أراد أيضًا أن يحفظ الكنز في أمان.
وقد رجعوا في صباح هذا اليوم إلى مكان الكنز كي يقطعوا طريقنا إذ كانوا يعرفون أننا سنذهب للتفتيش عن الكنز. وركض بن قبلنا، ولمّا تذكر الخرافات التي كان يقصها رفقاؤه في السفينة، أخذ ينادي بصوت مرتفع وأرعبهم.
قال سيلفر: «من حسن حظي أن هوكينز كان بمعيتي، وإلا ما هرع أحدكم لإنقاذي.»
صدق الجميع على كلامه، وأخذنا طريقنا إلى القوارب، وأبحرنا في المصب بجانب كهف بن ورأينا تريلوني يلوح لنا، ورأينا أيضًا الهيسبانيولا تطفو بعيدًا عن الشاطئ إذ كان يرفعها المدّ.
وصلنا الكهف، وهناك تجهم تريلوني وأخذ يلعن سيلفر، لكنه تركه. وعندئذ دخلنا الكهف ورأينا الكابتن سموليت يرقد إلى جانب النيران وكومات من الذهب والكنز؛ لقد مات الكثيرون في سبيل العثور على هذا الكنز، ومات الكثيرون في سبيل الحصول عليه. وترقد سفن وجثث في أعماق البحر من أجله.
قال الطبيب: «لا أظن أننا سنذهب إلى البحر مرة أخرى، أليس كذلك يا جيم؟»
وبعد ذلك جلسنا لتناول وجبة شهية من الأطعمة التي أخذناها من السفينة، جلس سيلفر في الخلف وبدا مرة أخرى الرجل الذي عرفته قبلًا عند التقائي به للمرة الأولى؛ فقد كان خدومًا، ولين العريكة، ودمث الخلق، إنه البحار المثالي.
الفصل السادس والعشرون
وداع حار
العودة إلى وطننا
قضينا الأيام التالية نحمل كنزنا الضخم إلى القوارب ومنها إلى الهيسبانيولا. ولمّا كنت صغيرًا على القيام بالأعمال التي تتطلب الرجال الأقوياء، كُلفت بمهمة تعبئة الكنز في الأكياس المصنوعة من الأقمشة حتى يحمله الآخرون إلى القوارب. وتدريجيًّا أخذت أملأ كل كيس من الكنز النفيس، وكنت أحكم غلقه من أعلى باستخدام خيط وإبرة كبيرة يستخدمها البحارة، العمل الذي كان يستغرق وقتًا طويلًا ويتطلب جهدًا كبيرًا، لكنه كان يستحق العناء. وكانت تساورنا المخاوف من القراصنة الثلاثة المتبقين، لكن من حسن حظنا أننا لم نسمع عنهم الكثير.
وكان الكنز عبارة عن مجموعة من العملات المختلفة من كل أنحاء العالم. وحتى هذه اللحظة لم يكن لديّ أدنى فكرة أن المال يمكن أن يكون بمختلف الأشكال والأنواع؛ فإلى جانب العملات الفرنسية والإنجليزية التي سبق لي أن رأيتها من قبل، كانت هناك كومات من العملات الذهبية الإسبانية والإيطالية، وكانت أغربها العملة المربعة والمفرغة من المنتصف، عملة الصين التي ربما جمعها ماركو بولو إبان رحلاته، وأخذت أبعثرها وأجعلها تتساقط من بين يديّ مثل أوراق الشجر التي تتساقط في فصل الخريف.
وفي إحدى الليالي سمعنا هياج المتمردين. من جانبنا، كنا نعامل سيلفر معاملة مهذبة، لكننا كنا نتحاشاه مثل الكلب الذي قُيد بسلسلة في عمود. وما كان أحد ليثق به؛ فمع أنه كان يتظاهر بالطيبة، كنا على يقين من أنه غير جدير بالثقة.
وقررنا أننا لا بدّ أن نترك المتمردين على الجزيرة ليواجهوا مصيرهم، فلا داعي لأن نرجع بهم معنا كي نشنقهم. لذا عبأنا كهف بن بمخزون جيد، بالإضافة إلى بعض الأدوات، والأطعمة، والمؤن الأخرى، وعندئذ جهزنا سفينتنا.
وفي الوقت الذي بدأنا فيه الرحيل، مررنا بالقراصنة الثلاثة في مناطق المياه الضحلة التي كنا لا نزال نرى فيها الشاطئ، فأخذوا يتوسلون إلينا كي نأخذهم معنا. لكننا حييناهم، وأخبرهم الطبيب عن مؤن الطعام القليلة التي تركناها، فاستمروا يترجوننا كي نأخذهم معنا، لكن لمّا تبين لهم أننا لن نتوقف أطلقوا النيران علينا وأوشكوا أن يصيبوا سيلفر نفسه.
بعد قليل أخذت القمم الوعرة الشديدة الانحدار تختفي عن الأنظار وشعرت ببهجة غامرة لدى تركنا جزيرة الكنز وراءنا. وكان لدينا نقص في عدد الرجال، فكان على كل منا أن يقوم بدوره. وكان الكابتن لا يزال في حاجة إلى الراحة، فكان يصدر أوامره من على فراش متنقل على ظهر المركب.
وصلنا الأراضي الأمريكية التي يحكمها الإسبانيون وألقينا التحية على الناس هناك بفرح جمّ، وتذوقنا فاكهتهم وخضراواتهم، وعثر الكابتن هناك على قبطان آخر للسفينة الذي دعاه لقضاء أمسية أخبره فيها بمغامراتنا. وعندما عدنا إلى الهيسبانيولا، وجدنا بن جان وحده على سطح السفينة ليخبرنا أن سيلفر قد أخذ مركبًا صغيرًا وبعض أكياس النقود الصغيرة وولى الأدبار. وأظن أننا كلنا شعرنا بالارتياح لدى معرفتنا أنه رحل إلى الأبد.
وباختصار، حصلنا على مساعدة عدد من العمال المهرة هناك، وشققنا طريقنا إلى الوطن ووصلنا قبل إرسال بعثة للبحث عنا مباشرة، وتقاسمنا الكنز فيما بيننا قسمة عادلة وأنفقناه بطرق شتى.
ادخر جراي ماله، وتلقى التعليم، وتزوج، وهو الآن شريك في سفينة كبيرة. أما بن جان فقد خسر الألف جنيه نصيبه في غضون ثلاث أسابيع ورجع يشحذ في الأسبوع الرابع. أما الكابتن سموليت الصالح فقد تقاعد عن العمل.
ولم تتناه إلى مسامعنا أي أخبار عن سيلفر، لكن أظن أنه عثر على زوجته ولا يزال يعيش مع ببغائه كابتن فلينت. أما أنا، فمع أنه ربما لا يزال هناك المزيد من الذهب في جزيرة الكنز، فلن أعود إلى هناك أبدًا. وعندما يراودني كابوس لا أرى فيه سوى الأمواج المتكسرة العنيفة وأسمع صوت الكابتن فلينت الحاد يدوي في أذني: «عملات معدنية، عملات معدنية!»